بقلم الشيخ: أبي محمد المقدسي
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
يقول الله تبارك وتعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ_ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
نسمع هنا وهناك في كل مناسبة فتاوى وآراء وأفكار ومواقف عملية شاذة سمجة لا أصل لها في دين الإسلام .. يصدر كثير منها عن منتسبين للعلم الشرعي أو الدعوة إلى الدين أو الجهاد، والبعض الآخر يصدر عن أناس لا علاقة لهم بالدين من قريب أو بعيد ولكنهم مع ذلك يدسون أنوفهم للحديث في أمور خطيرة عظيمة لا أقول لا يفقهونها بل لا يفقهون كثيرًا مما هو أهون منها وأسهل؛ ولذا يصدق فيهم وصف الرويبضة (وهو الرجل التافه) الذين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيتصدرون لأخطر المسائل في آخر الزمان ..
وأهم أسباب ذلك وأعظمها؛ فساد الأصول ..
ففساد اعتقاد كثير من الأفراد والجماعات في أبواب الإيمان وما يقابله من الكفر؛ أثمر عندهم وعند مقلدتهم فسادًا بما يتفرع عن ذلك من موالاة من حكموا بإسلامهم من أئمة الكفر وتوليهم ونصرتهم بل ومشاركتهم في كفرياتهم وباطلهم حين لم يعد الباطل عندهم باطلا لفساد أصولهم.
ومن ثم فلا تعجب إن رأيت من أصحاب اللحى الطويلة والأثواب القصيرة من هم من أجناد الطواغيت وعساكرهم وأوتادهم وجواسيسهم ففساد الأصول دون شك سبب لفساد هذه الفروع ..
ولا تعجب إن رأيت كثيرا من المنتسبين للجهاد يقفون في بعض الأوقات والظروف في شق العلمانيين أو في عدوة الملحدين وصفّ المجرمين يجمع بينهم التراب الوطني!! والجنسيات المبتدعة؛ بدعاوى المحافظة على الوحدة الوطنية أو المصلحة الوطنية أو بدعوى قتال ودحر العدو المشترك!! ففساد أصولهم دون شك سبب لفساد هذه الفروع ..
ولا تعجب إن رأيت كثيرًا من الدعاة يشاركون الطواغيت في أخص خصائص كفرهم العصري أعني سلطة التشريع المطلقة التي تمارس وفقا لنصوص الدساتير الأرضية والقوانين الوضعية .. بل ويلبس أولئك الدعاة هذا الكفر البواح لباس الإسلام ويلصقونه زورًا بالشورى وحكم الله.
وما ذلك إلا لأنهم قد أسسوا أصولهم على شفا جرف هارٍ .. ولم يؤسسوها على تقوى من الله ورضوان ..
ففساد أصول أولئك المنتسبين إلى الدعوة هو سبب انحرافاتهم هذه ..
ولا تعجب إن رأيت كثيرا من المنتسبين إلى العلم ممن يقتدي بهم الناس ويشار إليهم بالبنان ويقلدهم الخواص والعوام يعطون أئمة الكفر وصناديد الشرك صفقة أيديهم وثمرة أفئدتهم فيبايعونهم أئمة للمسلمين ويتولونهم ويظاهرونهم على كل من عاداهم ولو كانوا من خواص الموحدين وخلاصة المجاهدين .. ويُصَيّرون العدو المحارب وليا لأمر المسلمين والمجرم القاتل المفسد حريصا على مصالح المسلمين، وفي المقابل يصير عندهم المجاهدون الموحدون بغاة أو خوارج من كلاب النار، بل مفسدين في الأرض محاربين لله ولرسوله!! ..
ففساد الأصول نتيجة حتمية لفساد هذه الفروع وانحرافها عن جادة الحق والصواب ..
ولذلك يجب السعي أولا ودائما في تصحيح الأصول، وتأسيس البنيان على تقوى من الله ورضوان؛ وقد تعلمنا من نبينا صلوات الله وسلامه عليه البداءة بالأهم فالأهم ..
فليس قبل وفوق الدعوة إلى التوحيد وعراه الوثقى والتحذير من الشرك والسعي في إبطال وهدم التنديد شيء .. فهكذا كان صلى الله عليه وسلم يدعو الناس، وبه كان يوصي رسله ومبعوثيه إلى كافة بقاع الأرض، وبه كان يستفتح رسائله وكتبه إلى ملوك الأرض ..