فيا أهل الإسلام، اقبلوا بشارة الله، فقوموا بنصرة دينه وجهاد عدوه وعدوكم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) ، فهنا أمر من الله عز وجل بالنفير وبذل مهج النفوس، وتقديمها لله عز وجل، فإن أبينا عن ذلك وَرَكنّا إلى الدنيا، وزهرتها فقد تَوّعَدنا ربنا بوعيدٍ شديد وتهديد أكيد حاصلٍ لا محالة (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) .
فربنا جل وعلا هددنا بالعذاب، وأن هذا العذاب ليس كعذاب طواغيت الأرض وتهديدهم، بل بيّن بأنه عذابٌ أليم، وهل لك صبرٌ على عذاب الله ولو لحظة؟ فكيف إذا كان عذابًا أليمًا، فالدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا تساوي نفسًا من أنفاس الآخرة، انظر ماذا قال الله تعالى عن سحرة فرعون لما هدّدهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ قالوا هذه المقولة العظيمة قال تعالى: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، فهذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يرتد عنه صاحبه. وهكذا الإيمان الذي خالط قلب بلال حينما كان يقول وهو يُعذب في رمضاء مكة وهو يردد أشد الكلام على هؤلاء المشركين ويقول: "أحدٌ أحد"، وكان يراغمهم بذلك، ويقول: "لو أني أعلم كلمة هي أشد عليهم من ذلك لقلتها"، وقد أخبر الله عز وجل بأن هذه الدار دار غرور لا دار مقامٍ لك أيها المسلم، فعذاب الدنيا ربما يقع وربما لا يقع وربما تستطيع الفرار منه، لكن هل لك الفرار من الله إلا إليه، قال جل وعلا (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) .
فإن استجبت لتهديد الطواغيت، وركنتَ إلى الدنيا وأحببتَ البقاء فيها؛ فاعلم بأنه سيفوتك تجارةٌ لا كأي تجارة، إنها تجارةٌ لا خسارة فيها البتة!! قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) واعلم أن دين الله ليس وقفًا عليك (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) ، ولأن الله لما ذكر وصف المرتدين وصف أناسًا محبين محبوبين (فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .
وقد ذكر الله عز وجل بأن الحياة الدنيا زائلة لا بقاء لها، وأن البقاء حينما يذبح الموت بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت.