الصفحة 457 من 571

تلك صفحة مشرقة من حياة الشهيد في البوسنة، وإليك صفحة مضيئة أخرى من صفحات حياته العامرة بالبطولة والفداء، فبعد أن انتهى الجهاد في البوسنة ونصر الله عباده المؤمنين قام أبو ذر رحمه الله بدور آخر لنصرة الإسلام، فأبى الركون إلى الدنيا وأحب أن يكمل استفادته من أرض الجهاد وأن يتم مسيرة الإعداد، فشد رحاله واتجه إلى أفغانستان ليتدرب فيها ويعد نفسه امتثالًا لقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) بقي الشهيد في أفغانستان فترة طويلة تقارب عام ونصف، كل همه في ذلك نصرة الدين، ولأجل أن ينال الثمرة في العلم العسكري؛ فترتوي منه أرض الجهاد إذا وطئها ولكي ينفع إخوانه المجاهدين.

وبالفعل فلقد استفاد الشهيد أبو ذر - رحمه الله - من الفترة التي قضاها في أفغانستان فكان لا يشغل نفسه إلا بما ينفعه، ولا يضيع وقته بما لا ينفعه، حتى أصبح كادرًا لا يُستغنى عنه في أرض الجهاد، أضف إلى ذلك ما كان يتحلى به من الشجاعة والإقدام والكرم والجود وكان معروفًا بذلك، وكان مطيعًا لأمرائه محبا لهم، فلا يؤمر بأمر إلا وتجده يمتثله، وقد عرف بالصلاح والتقوى وخشية الله كما نحسبه وكان إذا وعضه أحد نظر إلى السماء وفاضت عيناه بالدموع من خشية الله تعالى.

وبعد أن قضى أبو ذر هذه الفترة في أفغانستان واستفاد فائدة عظمى بدء يتطلع في أنحاء الأرض ليرى مكانًا تقام فيه شعيرة الجهاد في سبيل الله، أو يجد مكان ينصر فيه دين الله، وفي أثناء تطلعه وشوقه إلى أرض الجهاد ظهرت بوادر العدوان الصربي على بلاد كسوفا المسلمة وعلى أهلها فتاقت نفسه للذهاب وعزم على ملاقاة أعداء الله ليسومهم سوء العذاب - بإذن الله - في كرة أخرى فبعد أن أنكى بهم مع إخوانه في البوسنة سعى مرة ثانية لينال من أعداء الله، ويرد كيدهم بعون الله.

وكما عرفتك أرض البوسنة عرفتك أرض كوسوفا، حيث قل الناصر فنفرت بنفسك نصرة لإخوانك، ومع صعوبة الدخول إلى أرض العدو إلا أنك أصررت على ذلك وصبرت حتى تحقق لك ما تريد من نصرة المؤمنين، فكنت الوحيد من المجاهدين من غير أهل البلد بل الوحيد من الأنصار الذين ناصروا المسلمين هناك، ولم يدخل أحد المنطقة من الأنصار سواه فرحمه الله - فكانت فضيلة من فضائله التي من الله بها عليه، ودخلت مع جيش التحرير لتكون مدربًا لهم ولكنهم لم يأبهوا لشاب صغير فماذا عسى أن يقدم؟!.

ولما خبروك في المعارك عرفوك فارسًا مقدامًا وعالمًا بالحرب وفنونها ولّوك عليهم أميرًا في قيادة المعارك والعمليات القتالية، وعلموا حاجتهم لأن يتتلمذوا على يديك فيذيقوا الصرب أشد أنواع النكال، إن الصرب لم يصابوا بقتالك لهم فقط بل كان مصابهم بتدريبك للأعداد الكثيرة ودعوتك لهم إلى الاستقامة ومعرفة أهداف الجهاد أعظم نكاية للأعداء حاضرًا ومستقبلًا.

ولما علمت قوات التحالف التي جاءت لنصرة المسلمين في كوسوفا - زعموا!! - لما علموا بوجودك طالبوا بتسليمك من قبل جيش التحرير الذي أنكروا وجودك لديهم فلما كثرت عليهم الضغوط طلبوا منك الخروج آسفين على ذهابك، فخرجت ولكن إلى أين؟ خرجت إلى أرض أخرى تنصر فيها دين الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت