الصفحة 458 من 571

لقد كان لوجوده - رحمه الله - بين الكسوفيين أثر كبير في نفوسهم، فكان مثلًا لهم في العبادة والجهاد والدعوة إلى الله، حتى إنه لما أراد الخروج بكى عليه أهل كوسوفا حزنًا وحق لهم أن يحزنوا لمثل هذا الرجل، ولم يمض على ذلك وقت طويل حتى سمع بالجهاد في الشيشان فلم يلبث حتى انتقل إليها ليصدق فيه إن شاء الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت أو القتل مضانّة" رواه مسلم.

لقد حاولتَ الدخول مرارًا إلى أرض الشيشان فَمُنِعت وحُبِست ولكنك لم تجد لك في ذلك عذرًا بل كررت المحاولات وتحملت ما يصيبك في سبيلها لماذا ... ؟! لأنك كما كنت لا تهنأ بنوم وتلذ بعيش وأنت تسمع صرخات أخواتك في الشيشان وهم يحتاجون إلى مشاركتك. عجبًا والله فلقد كنت تحمل قلبًا كبيرًا امتلأ بموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.

وحين قدم إلى أرض الشيشان فرح به أمراء المجاهدين في الشيشان لما علموا منه الجد والاجتهاد وسعة العلم والمعرفة في أمور الجهاد فنفع الله به نفعًا عظيمًا، وذاق الكفار منه عذابًا أليمًا، فلطالما اشتكى الروس من قذائف الهاون التي كان يرسلها عليهم أبو ذر الطائفي كالصواعق فيرديهم قتلى وجرحى، وكان إذا أصاب هدفه قال: الحمد لله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.

لقد كان لأبي ذر أثر عظيم وطيب في الجهاد في الشيشان وكانت له مواقف مشرفة، فلنعم الأمير كان، ولنعم القائد الشجاع، وكما كان أبو ذر قدوة في أفعاله فلقد كانت له درر من أقواله بمثالها يحتذى فخذ طرفا منها: كان رحمه الله يقول: يجب على كل من أراد الجهاد أن يعد نفسه إعدادًا جيدًا قبل الجهاد ليكون عضوًا فعالًا على أرض الجهاد ولكي لا يكون عالة على إخوانه، ولكي يكون أنكى على الأعداء.

وكان من دعائه أنه كان يقول: إن كان الله يعلم أنني إن بقيت فسوف أنفع دينه فأسأل الله أن يبقيني، وأما إن علم أنني سأركن إلى الدنيا فأسأل الله أن يرزقني الشهادة عاجلًا غير آجل. وقال مرة عهد علي إن بقيت بعد الجهاد أن أدرس جبال الشيشان كلها وغير ذلك من الكلمات الطيبة المشرفة التي جادت بها روح الشهيد ... رحمه الله.

يوم الرفعة واللقاء

لقد نفذت حديث النبي صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم ... " فعليًا وعمليًا وشعوريًا.

يا ترى كم هم الذين يحملون هذه الروح من المسلمين؟ بل كيف يكون الشأن لو كان10% بل1% من المسلمين يحملون هذا الشعور بل هل يحمل العلماء والدعاة والمصلحون في الأمة هذا الشعور الذي حمله قلب هذا الشاب؟

أبو ذر ذلك الشاب المتوقد حماسة، المتفجر غيرة، الذي امتلأ شعورًا بالجسد الواحد فلم يقر له قرار ولم يهدأ له بال وإخوانه المسلمون مضطهدون بأيدي الأعداء وأخواته المسلمات المحصنات يغتصبن على يدي علوج الروم، كان يقول: إن صراخ النساء وعويل الثكالى في الشيشان أقلقني وأطار نومي .. ! نعم، لقد رخصت نفسه عليه في ذات الله تعالى، فحملها يعرضها على الله في أسواق الجهاد التي قامت، عرضها في البوسنة فلم يكتب لها نصيب وعرضها في كوسوفا كذلك، ثم عرضها في الشيشان ومازال بها حتى جاءها القبول وربح البيع أبا ذر إن شاء الله.

أبو ذر رحمك الله لقد مضيت وتركت في حلوقنا غصة وفي قلوبنا حرقة وفي عيوننا دموعًا حرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت