فهذه من سنن الله، فلن تجد لسنة الله تبديلا، والمتأمل في كتب السيرة يرى هذا واضحًا (أي الابتلاء والتمحيص) فلا يكون التمكين إلا بعد تمحيص واختبار ليُرى الصادق ممن يدعي الصدق وهو كاذب، فالحمد لله حمدًا كثيرًا لا نحصي ثناءً عليه أن كشف للأمة أصحاب النفاق والإرجاف، الذين كانوا في السابق يدندنون على وجوب نصرة الدين، وأقرب مثال في زماننا هذا أئمة الحرم المكي والنبوي إلا من رحم الله، فنجد في السابق منابر الحرمين تعج بالخطب التي يتباكى أصحابها على ما يصيب الأمة من هذا الذل والاستضعاف، وعلى ما يصيب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فلما أتت مثل هذه الأحداث كان أول من خذل الأمة هؤلاء الذين كانوا قبل ذلك يدندنون حول وجوب نصرة الدين، ولكن - بفضل الله وحده - تبين الصادق من الكاذب، بل تجد أن أفضل أحوال هؤلاء من سكت ولم يتكلم وكان بعيدًا عن الطواغيت ولم يداهنهم، لكنه لا يعذر أمام رب العالمين، والله سوف يندمون هؤلاء يوم لا ينفع الندم على تضييعهم لهذا الدين وعلى خيانة هذه الأمانة الملقاة على عواتقهم (وهم الخطباء والعلماء) (فالذين يحملون الكتاب والسنة في هذا الزمان على ثلاث أصناف:
-فرجل عالم أدى الأمانة، وبين الحق لعموم الناس بلا خوف من مخلوق (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) وهؤلاء هم الأقلون في كل زمان، المحاربون من أولياء الشيطان، وبهم تقوم حجة الله على خلقه، وهم بحق ورثة الأنبياء ومصابيح الدجى ونور الأرض، وهم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة وفيهم يقول الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ولولا رحمة الله للأمة بهؤلاء لخبت أنوار الحق وانمحت آثاره، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره.
-والآخر رجل حمل الكتاب والسنة، فلم يقم بحقهما دعوة وتعليما ونشرًا وجهادًا، بل كتم الحق ولم يبين للناس، فهو ممن يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) وشبه الله هؤلاء بالحمار يحمل أسفارا (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
-والثالث رجل حمل الكتاب والسنة، ولم يقم بحقهما بل عمل جهده على لبس الحق بالباطل ودحض الحق وتحريفه ونصر الباطل وتزييفه، فهذا أول من تسعر به النار ولو كان أكبر حافظ ومنظر (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الآية، وهذا أشر شياطين الإنس.
وحملة الكتاب في هذا الزمان لا يخرجون عن أحد هذه الأصناف، ويمكنك تمييزهم بعرض أفعالهم ومواقفهم على الكتاب والسنة لتميز بين الملبس والكاتم للحق والمبين له).