الصفحة 500 من 571

إذًا الناجية من الضلالة والنار هي الجماعة وجاء عند أحمد في المسند عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الإثنين أبعد" وإسناده جيد.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم من شأن الجماعة والاجتماع عليها كما تقدم، لأن هذا من أعظم أسباب النصر، والتنازع والاختلاف من أعظم أسباب الهزيمة والفشل، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الإمام جُنَّة، يٌقَاتَل من ورائه ويُتقى به"، وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه لأصحابه: (إلزموا الطاعة فإنها حِصن المحارب) .

وإن من أسباب هزيمة المؤمنين يوم أحد معصية الرماة وتنازعهم على أميرهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ .. ) .

وكان السلف يُعظّمون من شأن الجماعة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في خطبته (أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة) . قال أبو عمرو الأوزاعي رحمه الله: (كان يقال: خمسٌ كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان: لزوم الجماعة واتباع السنة وعمارة المساجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله) أ. هـ.

لأن الواجب اجتماع كلمة أهل دين الإسلام على من خالف دينهم من الكافرين حتى تكون كلمتهم واحدة وجماعتهم غير متفرقة، قال ابن مبارك رحمه الله:

إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دان

كم يرفع الله بالسلطان مظلمة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا

لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل ... وكان ... أضعفنا ... نهبًا ... لأقوانا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة؛ عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم".

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة إذا سافروا أن يكون لهم أمير، أخرج أبو داود بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" فإذا كان صلى الله عليه وسلم أمر بتأمير واحد في الاجتماع القليل العارض الذي يكون في السفر فكيف بما هو أعظم وأكثر، قال الشوكاني: (فيه دليل على أنه يُشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التِلاف، ومع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يُطابق هواه، فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يُسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجونه لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى) . انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت