وكذلك لا يخرج المُعتكف من المسجد في حال اعتكافه إلا ما لا بد له منه وهذا هو هديه صلى الله عليه وسلم في اعتكافه، جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) هذا لفظ مسلم، فسر ذلك الزهري بالبول والغائط، قال مالك رحمه الله: لا يكون المعُتَكِفُ معتكفًا حتى يجتنب ما يجتنب المعتكف من عيادة المريض والصلاة على الجنائز ودخول البيت إلا لحاجة الإنسان، وقال الترمذي رحمه الله لما روى هذا الحديث: والعمل على هذا عند أهل العلم إذا اعتكف الرجل أن لا يخرج من اعتكافه إلا لحاجة الإنسان واجتمعوا على هذا أنه يخرج لقضاء حاجته للغائط والبول، ثم نقل عن أحمد رحمه الله أنه قال: لا يعود المريض، ولا يتبع الجنازة، على حديث عائشة، قال ابن تيمية رحمه الله: والاعتكاف عبادة شرعية، وليس للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه، والمشروع له ألا يشتغل إلا بقربة إلى الله.
فحقيقة الاعتكاف: هو قطع العلائق عن الخلائق للخلوة بمناجاة الرب والتفرغ لعبادته، لأنه كلما قويت المعرفة بالله والمحبة له، والأنس به؛ فإن ذلك يورث ميل القلب بكليته إلى الله فالمعتكف قد حبس هذه النفس على طاعة الله وذكره وقطع كل شغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له هم سوى الله, وما يرضيه عنه.
قال ابن القيم رحمه الله: "وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلب على الله تعالى, وجمعيَّتُه عليه، والخلوةُ به, والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كُلُّه به، والخطرات كلُّها بذكره، والتفكرُ في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلا من أُنسه بالخلق، فيعده بذل لأنسه به يوم الوَحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم" ثم قال: "وكل هذا تحصيلًا لمقصود الاعتكاف وروحه، عكسَ ما يفعلُه الجهالُ من اتخاذ المعتَكف موضِعَ عِشرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون"، فكيف لو رأى أئمة السلف رحمهم الله وقد أدخل المعتكف في المسجد الراديو والهاتف الجوال بل بعضهم يدخل عليه في اعتكافه الانترنت، بل بعض منهم يُدخل الصور والمجلات والجرائد، وكذلك كثرة معاشرة الناس واجتماعاتهم في تلك الليالي وما يقضى فيها من أنواع الحكايات وما يصحبها من القهقهة والصخب ورفع الأصوات هذا إذا سلموا من الغيبة وسب عباد الله والبذخ في المأكولات والمشروبات والإسراف فيها مع ما يحصل فيها من التلويث وعدم النظافة، وتثاقلهم عن الصلوات وهم في المسجد، بل بعض منهم تفوته الركعات في الصلوات المفروضات، فهل هذا اعتكاف؟! قال ابن رجب رحمه الله: ذهب الإمام أحمد رحمه الله: (إلى أن المعتكف لا يُستحب له مٌخالطة الناس، حتى ولا لتعليم علم، وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه) .
مسألة: (الاشتراط في الاعتكاف) ، كأن يستثني من اعتكافه عيادة المريض أو اتباع الجنازة وغير ذلك.