الصواب بأن الاشتراط في ذلك ليس عليه دليل، قال مالك رحمه الله: (لم أسمع أحدًا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطًا, وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج, وما أشبه ذلك من الأعمال ما كان من ذلك فريضة أو نافلة, فمن دخل في شيء من ذلك, فإنما يعمل بما مضى من السُّنَّة, وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون لا من شرط يشترطه, ولا يَبْتَدِعُهُ وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمون سنة الاعتكاف) أهـ.
5)تحرّي ليلة القدر: حري بالمسلمين عمومًا وبأهل الجهاد خصوصًا أن لا يفوّتوا عليهم تلك الليلة فإنها ليلةٌ عظيمٌ شأنها وبركتها، وهل هناك وصف أعظم من وصف القرآن لها حيث أنزل سورة باسمها تتحدث عنها وعن فضلها ووصفها فإن قدرها جليل من حرم خيرها فهو المحروم.
سميت ليلة القدر بهذا الاسم: لعظم قدرها بسبب نزول القرآن فيها, ولما يقع فيها من تنزل الملائكة, ولما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة, ولما يكتب فيها من الأقدار (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) ليلة يحل فيها السلام ويقبل الله فيها توبة كل تائب وأن الذي يحييها يكون ذا قدر فهي ليلة فضلها خاص لهذه الأمة.
واختلف أهل العلم في ليلة القدر على أكثر من ست وأربعين قولا.
والصواب من هذه الأقوال أسعدها بالدليل، ومن نظر إلى النصوص تبين له بأنها في العشر الأواخر كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) وكما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر) وله أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الغوابر) .
وأرجى ليالي العشر الأوتار منه وجاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها, فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر) .
وأرجاها السبع الأواخر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر, فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) متفق عليه. وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هي في العشر في تسع يمضين, أو في سبع يبقين) يعني ليلة القدر وآكد هذه الليالي ليلة سبع وعشرين لحديث أبي بن كعب الذي رواه مسلم.
إذا عُلِمَ هذا فليجتهد المسلم في هذه العشر كلها لكي يدرك قيام ليلة القدر الذي جاء في فضلها قوله تعالى (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) .
فيلتمس بركتها بقيامها بأنواع العبادات, وعدم انشغال النفس بغير طلبها وأن يكون ذلك بالصلاة وقراءة القرآن والدعاء والتفكر وإن جمع بين ذلك في آنٍ واحد فهو حسن، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه لما وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كان يصلي ويقرأ قراءة مترسّلة إذا مر بآية تسبيحٍ سبّحَ, وإذا مر بسؤال سأل, وإذا مر بتعوذ تعوذ) . ووقتها: من حين غروب الشمس إلى طلوع الفجر.