الصفحة 88 من 571

وعن عمر بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين - رضي الله عنهما - قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً ولا شيئًا إلا بغلتَه البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة) رواه البخاري.

وفي هذا الحديث من الزهد أنه صلى الله عليه وسلم - وهو خير من وطأت رجلاه الثرى - كان يركب البغل؛ بل هي مركبُهُ صلى الله عليه وسلم، وأيضًا تصدقه بأرضه لابن السبيل، وأنه لم يُخلِّف إلا البغلة التي يركبها، والسلاح الذي يُجاهد به بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوانٍ حتى مات، وما أكل خبزًا مُرقَّقًا حتى مات) رواه البخاري.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ فقام وقد أثَّر في جنبه قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وِطاءً، فقال: (مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راح وتركها) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّةِ ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد رُبطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف السَّاقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته) رواه البخاري، قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: (أنتم أكثر صلاةً و صيامًا من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم و هم كانوا خيرًا منكم) قالوا: ولم؟ قال: (كانوا أزهد منكم في الدنيا، و أرغب في الآخرة) .

قال الإمام أحمد - رحمه الله: (أسرُّ أيَّامي إليَّ يومٌ أُصبح وليس عندي شيء) ، وقال الفضيل بن عياض - رحمه الله: (أصل الزُّهد الرضا عن الله عز وجل) وقال: (القَنُوع هو الزاهد وهو الغني فمن حَقَّق اليقين وثِق بالله في أموره كلِّها، ورضي بتدبيره له وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفًا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ومن كان كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقة وكان من أغنى الناس وإن لم يكن له شيءٌ من الدنيا كما قال عمار رضي الله عنه كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شُغلًا) ، وفي بيان معنى الزهد وحقيقته قال الإمام أحمد - رحمه الله: (إنما هو طعامٌ دون طعامٍ، ولباسٌ دون لباسٍ، وصبر أيامٍ قلائل) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (الزهد المشروع هو ترك كل شيءٍ لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله) ، وقال أيضًا - رحمه الله: (الزهد هو عمَّا لا ينفع إما لنفاء نفعه أو لكونه مرجوحًا لأنه مُفوِّتٌ لما هو أنفع منه أو مُحصِّل لما يربو ضرره على نفعه، وأما المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيها حمق) ، اللهم زَهِّدنا في الدنيا ووَسِّع علينا منها ولا ترُدَّها عنَّا فتُرَغِبَنا فيها.

وللحديث بقيةٌ في العدد القادم - إن شاء الله - وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت