الصفحة 5 من 56

فكر ينشأ كردة فعل على غلو جماعة الدولة، ومما يميز هذا الفكر المعاكس أنه أصبح يفرط في أشياء هي في ذاتها حق ولكن لشدة البراءة من فكر جماعة الدولة صار لديه حساسية عالية من الحديث في أبواب من دين الله حتى لا يُحسب على جماعة الدولة أو على أهل الغلو!

ولا شك أن دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، ومنهج أهل السنة وسطٌ بين الإفراط والتفريط، فليس كل من كفر أو تكلم في التكفير هو تكفيري خارجي، وليس كل من تورع في التكفير أو اقتصر على القدر المطلوب في هذا الباب أو عَذَر هو مرجئ مفرط متنازل منبطح مميع للمنهج! وإنما العبرة بموافقة قواعد أهل السنة تأصيلًا وتنزيلًا.

إن فكر الغلو كما فكر الإرجاء يتخطف شبابنا، ولست أقصد بفكر الغلو أو بفكر الإرجاء جماعة بعينها؛ حتى لا يتصور متصور أني بقولي شبابنا أقصد جبهة النصرة، وبقولي فكر الغلو أقصد الجماعة الفلانية، وبقولي فكر الإرجاء أقصد الجماعة العلانية، بل قولي أعم من ذلك، فهو لعموم المجاهدين الصادقين على أرض الشام من جبهة النصرة وغيرها.

إن من الواجب على كل جماعة جهادية سنية أن تُحصِّن أفرادها بحصن العلم المضاد للجهل، ولا بد مع العلم من تربية، ومهما قلنا عن حاجتنا للعلم فحاجتنا للتربية أشد، وسنقدم هذا الجهد المتواضع كسياج فكري يحصن شبابنا المجاهد من الانزلاق والحيدة عن منهج أهل السنة إفراطًا أو تفريطًا في وقتٍ تحتاج الأمة ذلك منا، حيث أن جهادنا انتقل من حالة النخبة ليكون جهاد أمة، وحيث أن معظم شباب الأمة غُيبوا عن معالم دينهم القويم عبر قرابة قرن من حكم الطواغيت لبلاد المسلمين مارَس فيها هؤلاء المجرمون على الأمة سياسة التجهيل الممنهج والإبعاد القسري عن هذا الدين ومعالمه، وحيث أن معظم هذا الشباب يتعطش إلى عودة الإسلام في حياة المسلمين عبر دولة إسلامية، ويتحرَّق لإعادة الخلافة ويتفجَّر حماسًا لبلوغ تلك الأهداف، كان لا بد من توجيه هذا الحماس الصادق عبر العلم المنبني على أصول ومنهج أهل السنة؛ ليكون هذا الحماس طاقة هادفة وبنَّاءة تسير في الاتجاه الصحيح وتُوظَّف التوظيف الحق، حتى لا يكون هذا الحماس كالسيل الجارف يُقدم على تخريب كل ما يمر عليه.

ساحة الشام اليوم فيها العديد من الطوائف، والعديد منها ذات شوكة، ولكل طائفة حكمها، فأحكام هذه الطوائف مختلفة متباينة، وليس المقصود في هذا المقام التفصيل في حكم كل طائفة بعينها، بل ما يعنينا هو تجلية مفهوم الطائفة في عقول مجاهدينا، مع إيضاح ما يحف به من أحكام وتنقية هذا المفهوم من بعض ماعلق به مما ليس منه مع بعض الملاحظات التي يوجب الواقع ذكرها في هذا الباب، وإن كان أصلها في باب آخر ولكن نذكرها هنا لفائدة ربط الأذكار وتدعيم المفاهيم، وقد نتعرض لبعض الطوائف حسب ما يتيح المقام، سائلين المولى -سبحانه وتعالى- بكرمه ومنه أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت