الصفحة 49 من 56

الدرس السادس: فقه القتال وفقه التكفير

الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

وقفنا في الدرس الماضي عند بعض الملاحظات، التي لها تعلقٌ بموضوع الطائفة، ولفتنا النظر إلى قضيةٍ مهمة، في أنه لا تلازم بين أحكام القتال وأحكام التكفير. وقلنا أن هذا الأمر يزداد وضوحًا لدى الحديث عن البيئة الفقهية التي بُحثت فيها أحكام القتال، والبيئة الفقهية التي بُحثت فيها أحكام التكفير. ونحن قد ذكرنا في مقدمة هذا البحث أننا أمام مسائل فقهية؛ بمعنى أن البيئة التي نبحث فيها أحكام القتال ومثلها أحكام التكفير، هي بيئة الفقه بامتياز، على تفصيلاتٍ في هذا الموضوع، نورد بعضها بما يخدم القضية التي نحن بصددها؛ أعني: موضوع الطائفة، ومن ذلك أننا نقول:

إن بيئة أحكام القتال هي بيئةٌ فقهيةٌ صرفةٌ بحتة، وقد ذكرنا سابقًا أن هناك ثلاثة مستوياتٍ من أحكام القتال، كما ذكر شيخ الإسلام في (المجموع) ، ويمكن أن نجعل الثالث منها قسمان:

فأخف درجات أحكام القتال هي: قتال البغاة، حيث ذكر العلماء في فقه قتال البغاة، الذي يدل على التخفيف، بأنهم -أي البغاة- يُدفعون بالأخف إن أمكن، وإلا فيُشدّد عليهم إلى أن يقاتَلوا. والجمهور على أنه لا يُتبع مدبرهم ولا يُذفف على جريحهم -أي: لا يُجهز عليه-، ولا يقتل أسيرهم، ولا تُغنم أموالهم، فضلًا عن أن تُسبى نساؤهم، وغير ذلك من الأحكام.

ويرى بعض العلماء كالحنفية: أن البغاة إذا كان لهم فئة ينحازون إليها -أي: طائفة ممتنعة- فإنه يُتبع مدبرهم، ويذفف على جريحهم، ويقتل أسيرهم إلى غير ذلك.

ولا ننسى أن الأحناف يعتبرون قتال الخوارج والبغاة من جنسٍ واحد، ويجيزون الاستعانة بأهل الذمة على البغاة، على تفصيلاتٍ ليس الآن موضع تفصيلها. ونحن نذكر أقوالهم هنا ليس اختيارًا لها، وإنما لتبيان الخلاف في مسائل يعدها كثير من إخواننا من مسائل الكفر والإيمان والولاء والبراء؛ وهي مسائل فقهيةٌ اختلف فيها العلماء كثيرًا حتى في المذهب الواحد، ومنها مسألة الاستعانة على أن هذه المسألة -أي مسألة الاستعانة- قد تصل في درجة ما إلى الكفر، والحقيقة أن موضوع الاستعانة يحتاج بحثًا مستقلًا، وقد بحثه الشيخ أبو يحيى الليبي -رحمه الله- في كتابه، الذي لا يستغني عنه طالب علمٍ مجاهد، وهو كتاب (المورد العذب لبيان حكم الاستعانة بالكفار في الحرب) ، وأعيد التأكيد على أن ما ذكرناه من أقوال الأحناف لم نذكره تبنّيًا له وليس هو اختيارنا؛ وإنما نذكره حتى يتبين الخلاف وحتى تتسع قاعدة عذر المخالف.

وأما الدرجة الثانية والأعلى قليلًا في مستوى أحكامها: وهي أحكام قتال الخوارج على حسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت