-الطاعة واجبةٌ في المنشط والمكره.
عن جنادةَ بنِ أبي أمية قال: (( دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريضٌ، قلنا: أصلحك الله، حدِّث بحديثٍ ينفعك الله به، سمعتَه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: دعانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فبايعناه، قال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومَكرهنا وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمرَ أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان ) ) [1] .
فهذا حديثٌ يوجب طاعةَ ِالأمير في المَنشط والمَكْرَه، فقد ينشط الإنسان فيما يؤمر به إذا كان ذلك يوافق هواه، وهذا يؤجر المرءُ عليه ولا غَضاضَةَ .. ولكنَّ المقياسَ يكون في الطاعة في المَكْْرَه .. فإن النفوسَ جُبِلَتْ على الدَّعَة والراحةِ وإيثار السلامة ..
قال - سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة:216] ، فإرغام النفس وحملُها على المكروه من العمل الصالح أو على المكروه مما تؤمر به هو المعيار الحقيقي لصدق إيمان المرء ..
وقد مدح اللهُ - سبحانه تعالى - هذا الصنفَ من المؤمنين فقال: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عرمان:172] ، وقال - سبحانه: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:117] .
وروى البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا:"طوبى لعبدٍ آخِذٍ بعَِنان فرسِه في سبيل الله أشعثَ رأسُه مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسةِ كان في الحراسة وإن كان في السّاقَة كان في الساقة".. فهذا العبدُ عمل حيث وضعه أميره، وسواء عنده أكان حارسًا أو سائقًا في مؤخرة العسكر لم يَضْجَر ولم يتأفَّفْ .. فاستحق بذلك ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية:"لما تولى عمر بن الخطاب الخلافةَ عزل خالدَ بنَ الوليد عن إمرة الجيش؛ وكتب إلى أبي عبيدة - رضي الله عنه: فانزعْ عمامتَه عن رأسه، وقاسمه مالَه نصفين .. قال ابن كثير: فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ إحدى نعليه وترك أخرى وخالدٌ يقول: سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين".
بل تأمل عليًا -رضي الله عنه- عندما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر وقال له:"امشِ، ولا تلتفت" [2] فلما ولّى ناداه النبي -صلى الله عليه وسلم- ... فأجابه ولم يلتفت.
(1) 14 - متفق عليه
(2) 15 - رواه مسلم وأحمد، والنسائي في"السنن الكبرى"واللفظ لمسلم.