الصفحة 12 من 22

الإشاعة في اللغة هي الإظهار والنشر، وذلك يكون بما هو صادق، وبما هو كاذب، ولكن العُرْفَ قَصَرَها على الأخبار التي لم يَثْبُت صِدْقها بعد، ويُقال لها:"الأراجيف"، واحدها"إرجاف"، وأصل الرَّجَف الحركة والاضطراب، والإشاعة فيها هذا المعنى، وأكثر ما يحمل على الإشاعة الكراهية لمن يُشاع عنه، أو حُب الظهورِ بالسبق إلى معرفة ما لا يعرفه غيره، أو التسلية، أو التنفيس عن النفس فيما حُرِمَتْ منه، وتكثرُ أيامََ الأزمات السياسية والاقتصادية والحربية حيث يكون الجو ملائمًا لرواجها.

وللإشاعة آثارها الضارة؛ من بَلْبَلَة الأفكار، والفتنة بين الناس، وتشويهِ سمعة البرآء، كما أشاع المشركون على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه ساحرٌ كذابٌ، وأنه شاعرٌ أو كاهنٌ أو مجنونٌ، وكما أشاعوا في غزوة أحد أنه قُتِلَ؛ لتخذيل أصحابه.

قال - تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا} [النساء:83] .

"الصورة التي يرسُمها هذا النص هي صورة جماعةٍ في معسكرٍ إسلامي لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمةَ الإشاعة في خلخلة المعسكر وفي النتائج التي ترتبت عليها، فقد تكون قاصمة؛ لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث ولم يدركوا جدية الموقف، وإنَّ كلمةً عابرةً وفلتةَ لسانٍ قد تجر من العواقب على الشخص ذاته وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال، أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يَعْنيهم ما يقع له من جَرّاءِ أخذ كل شائعةٍ والجري بها ههنا وهناك وإذاعتِها حيث يَتَلَقّاها لسانٌ عن لسان، سواء كانت إشاعةَ أمنٍ أو إشاعةَ خوف، فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورةٌ مدمرة؛ فإن إشاعة أمر الأمن مثلًا في معسكرٍ متيقظٍ متوقعٍ لحركة العدو إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تُحْدِث نوعًا من التراخي مهما تكن الأوامر باليقظة؛ لأن اليقظة النابعة من التحفز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر، وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية، وكذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن بقوته ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، قد تُحْدِث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكًا وحركاتٍ لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف، وقد تكون كذلك القاضية."

وعلى أية حالٍ فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته أو هما معا، ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حين ذاك باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء، وهذه الخلخلة هي التي يعالجها القرآن بمنهجه الرباني. والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح: {وََلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] "فمهمة الجندي الطيب في الجيش المسلم الذي يقوده الأمير المؤمن- بشرط الإيمان ذاك وحده - حين يبلغ إلى أذنيه خبرٌ أن يسارعَ فيخبرَ به نبيَه أو أميرَه لا أن ينقلَه ويذيعَه بين زملائه أو بين من لا شأن لهم به؛ لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقديرَ المصلحة في إذاعة الخبر - حتى بعد ثبوته - أو عدمَ إذاعته) [1] ."

(1) 23 - في ظلال القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت