الصفحة 17 من 22

يحرص الإسلام على الرقيِّ بأفكار المؤمنين والسموِّ بأحاديثهم ومجالسهم نحو الأحسن والأفضل، لذا ينهاهم الله - تعالى - عن التعرُّض في مجالسهم إلى ما فيه أذًى للناس في أعراضهم، أو اعتداءٌ على كرامتهم، وينهاهم عن الخوض فيما يؤذي الرسول أو يكون مقدِّمةً لمخالفته.

ويعطي الإسلام للوقت قيمةً غاليةً ثمينةً يحرص على عدم هدره، وذلك بدعوة المؤمنين لأن تكون مجالسهم جادَّةً تثمر ما فيه خير البلاد والعباد، فوَّاحةً بعبق الإيمان والرياحين الربَّانية، زاخرة بكلِّ ما فيه شدٌّ للهمم والعزائم إلى المزيد من الطاعات والأخلاق الحميدة.

ويهدف الإسلام إلى تقوية الصف، وجمع الكلمة حتى يظل المسلمون قوةً وقَذًى في عيون أعدائهم، وسبيلُه في ذلك محاربة كل ما يؤدي إلى الفُرقة والتدابر والتقاطع من النجوى إلى الظن إلى التجسس إلى الغيبة إلى الحسد إلى البغض ...

ومبدأ الشرر الذي يؤجج نار الفتن ويُذْكِيْها هو النجوى؛ والنجوى هي الحديث الخافت الَّذي يدور بين اثنين على الأغلب.

أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"إذا كنتم ثلاثةً فلا يَتناجََ اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزُنه".

فالصواب - إن شاء الله تعالى - أن يراعيَ الناصح هذه الأحوال، ثم يتخيرَ الأسلوبَ الأنسبَ: الإسرار أو الجهر، فإن الْتَبَس عليه الأمر فالإسرار أولى - إن شاء الله تعالى -؛ لحديث عياض بن غنم المذكور في أول هذه المسألة؛ ولقصة أسامة بن زيد مع عثمان بن عفان - رضي الله عنهم -.

واعلم - رحمك الله - بأن التناجي بين أفراد الجماعة دون علم القيادة هو منشأُ الشرِّ في الجماعة المسلمة، وهو الباب الواسع الذي يَلِجُ منه الشيطان ليمزق أوصال تلك الجماعة.

ولقد تنبه بعض المفسرين لهذا المعنى من آية البقرة: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة:205] ... فنظروا إلى ما تُوْحِيْه كلمة السعي من النشاط والمشي السريع والعمل الدؤوب فقالوا: (والسعي في الأرض المشي بسرعة، وهذا عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس) [1] .

وعند الطبراني أن رجلًا قال لعلي - رضي الله عنه - معترِضًا على نصحه ودعوته للخير ووحدة الجماعة: (إنك - والله - ما نهيتنا ولكنك أمرتنا وذَمَرْتَنا، فلما كان فيها ما تكره، بَرَّاتَ نفسَك ونَحَلْتَنا ذنبَك) ... قال له علي - رضي الله عنه: وما أنت وهذا الكلام - قَبَّحَك الله -، واللهِ لقد كانت الجماعةُ فكنتَ فيها خاملًا، فلما ظهرت الفتنة نَجَمْتَ فيها نُجُوْمَ قَرْنِ الماعز) [2] .

(1) 31 - القرطبي.

(2) 32 - الطبراني في"المعجم الكبير"، وقال الذهبي في"تاريخ الإسلام": [ما أحسنها لولا أنها منقطعة السند] ، وقال الهيثمي: [ومحمد بن الضحاك وولده يحيى ولم أعرفهما] . والذَّمْر الحَثُّ مع لَوْم واسْتِبْطاء، ويأتي بمعنى التهديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت