الصفحة 18 من 22

فهُم -أي أهل التناجي- عيَّابون طعانون، يَلْبِسُون قليلَ الحقِّ بكثيرِ الباطل، ويَكْتُمون الكثير من المحاسن، ولا تَنْجو روايتهم من التدليس، ويُسيئون تفسيرَ المواقف، ويتأولون الألفاظَ، ويُفَسرون البسمة بالتهكم، والزهدَ بالبخل، والشجاعةَ بالتهور، ولهذه المظاهرِ سلفٌ من أول فتنة في الإسلام، حيث وصفها الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - كما في رواية الطبري: (أما بعد: فإن لكل شيء آفةً، ولكل أمر عاهةً، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون، يُرُوْنَكم ما تحبون ويُسِرُّون لكم ما تكرهون، يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يَتْبَعون أول ناعق، أحبُّ مواردها إليها البعيد، لا يَشربون إلا نغَصًا [1] ، ولا يَرِدُون إلا عَكَرًا [2] ، ولا يقوم لهم رائد [3] ، وقد أَعْيَتْهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب) .

فانظر - رحمك الله - إلى خطورة هذا الأمر كيف نشأ من تناجي فئةٍ قليلةٍ، ثم بدأ بالتحزب والاتساع حتى أطلَّت الفتنة برأسها، وبدأ يتسعُ الخَرْقُ على الرّاقِع، مما أدى إلى الانشقاق والتحزب والجرأة على رأس الإسلام في ذلك الزمان، ذي النورين - رضي الله عنه -؛ مما أدى إلى قتله في عُقِْر داره في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فوالله إن البدن ليَقْشَعِرُّ من هول هذه المصيبة التي كان أصحابها يُظْهرون إرادة الخير في تلك الاعتراضات، وأن عثمان -رضي الله عنه- خالفَ سنة صاحبيه -رضي الله عنهما- من قبل.

فالحذرَ الحذرَ يا أخا التوحيد من هذه المزالق والمحاذير، فهي - والله - من مهلكات هذا الدين ... كيف لا وصاحبها يكون في صف المنافقين والعياذ بالله؟

قال - تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103،104] .

ومن أروع ما نختم به هذا الباب .. كلام لسيد قطب - رحمه الله - في تفسير قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة:9] .

يقول سيد:

"ويبدو أن بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعدُ بحاسَّةِ التنظيمِ الإسلامي، كانوا يتجمعون عندما تُحْزَبُ الأمور؛ ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدًا عن قيادتهم، الأمرُ الذي لا تُقِرُّه طبيعة الجماعة الإسلامية، وروحَ التنظيم الإسلامي التي تقتضي عَرْضََ كل رأي وكل فكرة وكل اقتراحٍ على القيادة ابتداءً، وعدمَ التجمعات الجانبية في الجماعة."

كما يبدو أن بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة، وما يؤذي الجماعة المسلمة -ولو لم يكن قصد الإيذاء قائمًا في نفوس المتناجين-، ولكن بمجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الآراء فيها على غير علم، قد يؤدي إلى الإيذاء وعدم الطاعة.

(1) 33 - إشارة إلى أنهم لا يتم مرادهم. [ويحتمل معنى آخر]

(2) 34 - الْعَكَرُ بِفَتْحَتَيْنِ مَا خَثُرَ وَرَسَبَ مِنْ الزَّيْتِ وَنَحْوِهِ؛ إشارة إلى أنهم يقصدون الأشياء السيئة. [وتحتمل معنى آخر] .

(3) 35 - أي أنهم لا يستطلعون الأمور فهو كناية عن تعجلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت