وهنا يناديهم الله بصفتهم التي تربطهم به، وتجعل للنداء وقعَه وتأثيره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .. لينهاهم عن التناجي - إذا تناجوا - {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} . وبَيَّن لهم ما يَلِيْقُ بهم من الموضوعات التي يتناجى بها المؤمنون: {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} .. لتدبير وسائلهما وتحقيق مدلولهما. والبِرِّ: الخير عامة، والتقوى: اليقظة والرقابة لله - سبحانه -، وهي لا تُوْحِي إلاّ بالخير. ويُذَكِّرهم بمخافة الله الذي يُحْشَرون إليه، فيحاسِبُهم بما كسبوا وهو شاهده ومُحْصِيْه مهما سَتَروه وأَخْفَوْه.
قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان، قالا: أخبرنا همام، عن قتادة عن صفوان بن محرز، قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذْ عرض له رجلٌ، فقال: كيف سمعتَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الله يُدْنِي المؤمن، فيضعُ عليه كَنَفَه، ويَسْتُره من الناس ويُقَرِّرُه بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قَرَّرَه بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يُعْطَى كتابَ حسناتِه. وأما الكفار والمنافقين فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبُوا على ربهم، ألا لعنةُ الله على الظالمين".
ثم يُنَفِّرُهم من التناجي والمسارّةِ والتجسسِ بالقول في خُفْيَةٍ عن الجماعة المسلمة التي هم منها، ومصلحتُهم مصلحتها، وينبغي أن لا يشعروا بالانفصال عنها في شأنٍ من الشؤون، فيقول لهم: إن رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تَبُثُّ في قلوبهم الحزن والتوجس، وتخلق جوًا من عدم الثقة، وإن الشيطان يُغْري المتناجين ليحْزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم، ويطمئن المؤمنين بأنّ الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد:
{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة:10] .
فالمؤمنون لا يتوكلون إلا على الله، فليس وراء ذلك توكل، وليس من دون الله من يتوكل عليه المؤمنون!
وقد وردت الأحاديث النبوية الكريمة بالنهي عن التناجي في الحالات التي توقع الريبة وتُزَعْزِعُ الثقة وتبعث التوجس، جاء في الصحيحين .... عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحْزُنُه". وهو أدبٌ رفيعٌ، كما أنه تَحَفُّظٌ حكيمٌ لإبعاد كل الريب والشكوك.
فأما حيث تكون هناك مصلحةٌ في كتمان سرٍّ، أو ستر عورة، في شأنٍ عامٍ أو خاص، فلا مانع من التشاور في سر وتَكَتُّم يكون عادةً بين القادة المسؤولين عن الجماعة، ولا يجوز أن يكون تجمعًا جانبيًا بعيدًا عن علم الجماعة؛ فهذا هو الذي نهى عنه الرسول؛ وهذا هو الذي يُفَتِّتُ الجماعة أو يوقع في صفوفها الشك وفقدان الثقة، وهذا هو الذي يدبره الشيطان ليُحزنَ الذين آمنوا، ووعْدُ اللهِِ قاطعٌ في أن الشيطان لن يَبْلُغ بهذه الوسيلة ما يريد في الجماعة المؤمنة؛ لأن الله حارسُها وكالِئُها؛ وهو شاهدٌ حاضرٌ في كل مناجاة، وعالمٌ بما يدور فيها من كيد ودس وتآمر، ولن يَضُرَّ الشيطانُ المؤمنين .. {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} .. وهو استثناءٌ تحفظيٌّ لتقرير طلاقة المشيئة في كل موطنٍ من مواطن الوعد والجزم، لتبقى المشيئة حرةً وراءَ الوعد والجزم ..
{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .. فهو الحارس الحامي، وهو القوي العزيز. وهو العليم الخبير. وهو الشاهد الحاضر الذي لا يَغِيْبُ، ولا يكون في الكون إلا ما يريد، وقد وعد بحراسة المؤمنين. فأي طمأنينةٍ بعد هذا وأي يقين؟