وقد جعلنا هذا الباب في نهاية هذه الرسالة وبعد آفة التناجي مباشرةً، لأن التناجي إذا تأسسَ على غير هُدًى أدى إلى الفُرقة والشقاق ونَكْثِ العهود.
فلقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من خَلَع يدًا من طاعةٍ لقيَ الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتةً جاهلية" [1] .
قال - سبحانه: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل:91] .
(والوفاء بعهد الله يشمل بيعةَ المسلمين للرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويشمل العهد على معروفٍ يأمر به الله. {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} [النحل:92] مَثَلُ من ينقض العهد مَثَلُ امرأةٍ حمقاءَ مُلْتَاثَة ضعيفةِ العزم والرأي، تَفْتِلُ غزلها ثم تنقضه مرةً أخرى قِطَعًا منكوثة ومحلولة) [2] .
وعن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك -رضي الله عنهما- قالا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"لكل غادرٍ لواءٌ يُنصبُ يوم القيامة يُعرفُ به" [3] وقد فسر ابن عمر هذا الحديث بأنه الغدر ببيعة الأمراء. قاطعًا الطريقَ على من يريد أن يتأوله، وكان يقال: ثلاثٌ من كُنّ فيه كن عليه:
-البغي ... لقول الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} [يونس:23] .
-المكر ... لقول الله - تعالى: {َلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43] .
-النكث ... لقوله - تعالى: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح:10] .
وهذه البيعة المعروفة الآن في الدعوة - والتي توجب حقوقًا لمن بُويع وبايع بالتبادل وَفْقًا لشروطٍ تفصيليةٍ - إنما هي من البيعات التي يجب الوفاء بها شرعًا، إذ المؤمنون عند شروطهم ... وقَبِلوا الحدَّ من بعض حريتهم في الاجتهاد تمكينًا لممارسة عملٍ جماعيٍ لا تتحقق آمال الدعاة في استئناف الحياة الإسلامية وتحقيق مصالح الأمة إلا بواسطته، ولا يستمر إلا بمثل هذا الحد من حرية المشارِكِ فيه وتفويضِ قادتِه صلاحيةَ الأمر ومنحَهم الطاعة .. وكلام ابن تيمية في أول الجزء التاسع والعشرين من مجموع فتاويه عن القواعد الفقهية العامة التي تحكم شروط المسلمين في عقودهم وبيوتهم ليس فيه ما يمنع من العمل بهذه الشروط الرضائية التي يوجبها الداعية على نفسه بكامل اختياره طمعًا في أجر وثواب العمل الجماعي، ورغبةً في الوصول إلى استدراكٍ سريع لحال الأمة يبرد لذعات قلبه اليومية التي تسببها المآسي المتكررة والفجائع المؤلمة.
والحقيقة أن ناكث البيعة يوقع نفسه في جملة أمورٍ رديئةٍ حتى ولو اعتزل ولم يؤذ جماعة العاملين:
(1) 36 - صحيح مسلم.
(2) 37 - الظلال.
(3) 38 - البخاري.