النقطة الثانية التي سنتحدث عنها إن شاء الله هي سبب تصنيف"المجتبى"- الآن اتفقنا أن اسمه"المجتبى"- واختصار غالبه من الكبرى؛ واختصار غالب"السنن الصغرى"من"الكبرى".
سبق أن تكلمنا علاقة السنن الكبرى بالصغرى، وذكرنا لكم أن"المجتبى"السنن الصغرى من تصنيف النسائي لا من تصنيف ابن السني.
فأول قد يُطرح على الأذهان أو يسأله السائل: ما هو الداعي والسبب الذي جعل الإمام النسائي يصنف ويختصر غالب السنن الصغرى من الكبرى؛ لأنه في المعتاد أن المختصِر يكون غير المؤلف، المؤلف يؤلف كتابًا ضخمًا فيأتي واحد ويختصره، فما الذي دعا الإمام النسائي لاختصار كتابه؟!
وردت قصة تَذْكُر هذا السبب، إلا أن أهل العلم اختلفوا تجاه هذه القصة قبولًا أو ردًّا؛ هذه القصة تذكر أن الإمام النسائي لَمَّا صنف"السنن الكبرى"أهداها لأمير من الأمراء، وهو أمير الرَّمْلة - بلدة في فلسطين - فلما نظر هذا الأمير في كتاب"السنن الكبرى"قال للنسائي: أهذا صحيح كله؟ قال: لا.
قال له: فجَرِّدْ لِيَ الصحيح، اكتب كتابًا ليس فيه إلا الصحيح، فكتب النسائي بناءً على رغبة هذا الأمير كتاب"المجتبى"السنن الصغرى.
هذه القصة أقدمُ من رأيتُه ذكرها الإمامُ أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحَبَّال، المتوفى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة من الهجرة، وهذا النقل موجود على نسخة النسائي القديمة التي ذكرتُها لكم، وبعد الحَبَّال أسندها ابن خير الإشبيلي في كتابه"الفهرست"عن أبي علي الغَسَّاني الجَيَّاني المتوفى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة؛ معاصِر وقرين لأبي إسحاق الحَبَّال، ثم نَقَلَ هذه القصة جماعة من أهل العلم نَقْلَ المُقِرِّ والمؤيد لها، منهم: ابن الأثير، وابن كثير، والعراقي، والسخاوي، والسيوطي؛ كلهم نقلوا هذه القصة دون أن ينكرها واحد منهم، بل يُورِدُونَها مَوْرِد القَبول والاحتجاج، يعني يقولون مثلًا: وسبب تصنيفه للسنن الصغرى هو كذا .. ، ويذكرون هذه القصة دون أي اعتراض عليها بأنها غير صحيحة أو كذا.
أول من رأيته رد هذه القصة هو الإمام الذهبي في كتابه"سير أعلام النبلاء"؛ حيث ذكر هذه القصة نقلًا عن ابن الأثير، وابنُ الأثير ذكر هذه القصة في مقدمة"جامع الأصول"، ثم نقلها عنه الذهبي فقال: قال ابن الأثير: .. ثم ذكر القصة، ثم تعقب القصة بقوله:"هذا لم يصح، بل المجتنى اختيار ابن السني".
لا شك أن القصة لم نقف لها على إسناد متصل، قلت لكم أقدم من نقلها أبو إسحاق الحَبَّال، وأبو إسحاق الحَبَّال بينه وبين النسائي طبقتان، يعني ما يستطيع يروي عن النسائي إلا عن شيخ، وشيخه يروي عن شيخ آخر، حتى يصل إلى النسائي، فالقصة غير متصلة الإسناد فيما وقفنا عليه، ولا وجدت