أحدًا من الأئمة ذكر لها إسنادًا أو زعم أن لها إسنادًا، إلا أن القصة ليس فيها أمر مستنكر من حيث هي، وكما قلنا آنفًا هي ليست من السنن الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نتشدد فيه التشدد المطلوب في الأحاديث المروية عن النبي عليه الصلاة والسلام، هي مجرد ذِكْر لسبب تصنيف"السنن الصغرى"فقط.
ولو وقفنا مع السبب الذي من أجله رد الإمام الذهبي هذه القصة لوجدنا أن السبب الرئيس الذي جعله يرد هذه القصة هو اعتقاده أن"السنن الصغرى"من اختيار ابن السني، وهذا واضح من عبارته؛ قال:"هذا لم يصح، بل المجتنى من اختيار ابن السني"، يعني كأنه هذا في موطن النكارة والرد عند الإمام الذهبي، وقد ذكرنا لكم آنفًا وتقرر أن الراجح أن"المجتبى"من اختيار النسائي وتصنيف النسائي، لا من اختيار ابن السني، فالغرض الأساسي الذي من أجله رد الإمام الذهبي هذه القصة ليس بغرضٍ كافٍ ووافٍ لردها.
الأمر الثاني أن الإمام الذهبي نقلها عن ابن الأثير، وابن الأثير متأخِّر، ليس كأبي علي الغساني وليس كأبي إسحاق الحَبَّال، ولعله لو وقف على نقل أبي إسحاق الحبال أو على نقل أبي علي الغساني لكانت القصة عنده محترمة أكثر، وقبوله كان عنده أقوى؛ لأنهم قريبين عصر من الإمام النسائي، وهناك مَلْحَظ مهم وهو أن المصريين في تلك الفترة - في العصور المتقدمة - والأندلسيين من أكثر الناس عناية بالنسائي وسننه؛ لأن النسائي استقر في مصر كما ذكرنا لكم، وكل رواة السنن عن النسائي أو غالبهم إما مصري أو أندلسي أو لا بد أن يكون دخل مصرَ، لأن النسائي حدَّث بالسنن في مصر، لذلك لا يُستغرب أن يكون عند المصريين أخبار عن سنن النسائي وعند الأندلسيين غير موجودة عند غيرهم، وأبو إسحاق الحَبَّال مصري وأبو علي الغساني الجَيَّاني - جَيَّان بلد في الأندلس - أندلسي، وكلاهما إمام قريب العهد بالمصنف، فنقلهما له وَقْع واحترام كبير في هذا الباب، خاصة وأن العهد قريب كما ذكرنا لكم.
وقف من هذه القصة أحدُ العلماء المعاصرين وقفة غريبة، وهو الشيخ الفاضل/ عبد الصمد شرف الدين عليه رحمة الله، في مقدمة تحقيقه للجزء الأول من"السنن الكبرى"، الشيخ/ عبد الصمد شرف الدين صاحب التحقيقات الجليلة ومنها كان"تحفة الأشراف"للمزي، حقق المجلد الأول من"السنن الكبرى"للنسائي، بل لهذا العالِم الفاضل الفضل في اكتشاف"السنن الكبرى"، مرت فترة على العالم الإسلامي قريبة كان يعتقد العلماء أن"السنن الكبرى"مفقودة غير موجودة، فهذا العالِم اطلع على نسخة موجودة في تركيا هي النسخة الوحيدة الكاملة للسنن الكبرى للنسائي وكانت غير مفهرسة، ونشر المجلد الأول منها ويضم كتاب الطهارة فقط من"السنن الكبرى".