الصفحة 28 من 92

النسائي لذلك خَتَم الكتاب بهذا الحديث، كأنه يريد أن ينبه من يقرأ كتابه إلى أن هذا الورع وهذه التقوى هي التي يجب أن تكون الغاية والنهاية لمن يطلب العلم ولمن يقرأ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويتعلمها.

نتكلم الآن بإذن الله تعالى عن منهج النسائي العام في"المجتبى".

تَقَدم في ترجمة الإمام النسائي أنه أحد الأئمة المعدودين من أئمة الإسلام، وأنه من النقاد الأواحد الذين يُقرنون بالإمام البخاري، وأبي زرعة، وابن المديني، وأمثالهم من أفذاذ العلماء الذين يُعَدُّون بالأصابع، فهو: إمام في النقد، إمام في علم الحديث، إمام في تمييز صحيح السنة من سقيمها، إمام في اكتشاف خفايا علل الأحاديث؛ هذه مزايا اجتمعت في هذا الإمام.

ومع هذه المزايا أيضًا اجتمع فيه أنه إمام في الفقه، له قدرة تشبه قدرة الأئمة المجتهدين في قوة الاستنباط واستخراج الأحكام الخفية من نصوص الشريعة، لذلك كان من الطبيعي أن يظهر أثر هذا العلم الواسع الجليل على كتاب هذا الإمام؛ التبريز في علم الحديث، وأيضًا في علم الفقه، فهو مُبَرِّز في كلا العلمين، وهذا ما جعل كتاب النسائي شاملًا لكلا العلمين؛ علم الحديث والصناعة الحديثية والدقة في ذلك وأيضًا الدقة في الاستنباطات الفقهية، وهذا يذكرنا بالإمام البخاري ومسلم، فالإمام البخاري كما تعرفون اعتنى بالتبويبات الفقهية التي أصبحت مضرَب المَثَل في القدرة العجيبة على الاستنباط والدالة على جلالة الإمام البخاري في الفقه والتي وقف عندها العلماء مُتَحَيِّرين من قوة استنباط البخاري وجودة تعبيره ودقة ألفاظه في التعبير عن تلك الأحكام في تلك الأبواب، فالإمام البخاري كما تعرفون اعتنى بالأحكام الفقهية، وجعل كتابه كأنه يصنف الكتاب للفقهاء، لمن أراد أن يستفيد من السنة في استنباط الأحكام.

أما الإمام مسلم فجعل إمامته بالصناعة الحديثية، حتى أنه لم يبوب كتابه، اكتفى أن يرتب الكتاب ترتيبًا سليمًا مبنيًّا على ترتيب الأحاديث على الكتب، لكنه لم يُبَوِّب الكتاب، والتبويب الموجود في الطبعات كما تعرفون هي للشارحين؛ شرح النووي أو شرح القرطبي أو غيره، فاعتنى الإمام مسلم بالصناعة الحديثية من حيث: جودة الترتيب، جمع الطرق والألفاظ في موطن واحد، وغير ذلك من الصناعة الحديثية التي فُضِّل فيها الإمام مسلم على البخاري عند بعض العلماء، قالوا: هو أفضل من البخاري في جودة الصناعة الحديثية، ودقة الألفاظ، وأنه لا يروي بالمعنى، والتفريق بين حدثنا وأخبرنا؛ كل هذه أمور تميز بها الإمام مسلم.

فجاء الإمام النسائي وجمع بين الحُسْنَيَيْن، وهذا مما يتميز به النسائي، حتى أن تعبير أحد العلماء وهو ابن رُشَيْدٍ يقول:"إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا، وأحسنها توصيفًا، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم، مع حظ كبير من بيان العلل التي كأنها كهانة من المتكلم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت