الصفحة 29 من 92

وسوف نرجع إلى هذا الكلام بالبيان إن شاء الله، لكن لاحظوا أن ابن رُشيد ركز على أنه جمع بين طريقتي البخاري ومسلم.

وعبر السخاوي عن ذلك تعبيرًا فيه نوع من المجاز واللَّطافة، قال:"زاحم البخاري ومسلم في طريقتيهما"

يعني: كأن النسائي أراد أن يجعل كتابه في مَصَافِّ أَجَلِّ كتابين عرفتهما هذه الأمة وهما صحيحا البخاري ومسلم.

فمن الأمور التي زاحم فيها البخاري كما ذكرنا دقة الاستنباط، ومن أمثلة ذلك أنه ذكر أحاديث ثلاثة في كتاب الطلاق، وأنا الآن أريد أن أقرأ عليكم هذه الأحاديث الثلاثة وأترك لكم أنتم محاولة استنباط الحكم الفقهي الذي جعل الإمام النسائي يذكر هذه الأحاديث في كتاب الطلاق، حتى تعرفوا بعد العجز - في الغالب - دقة استنباط هذا الإمام.

الحديث الأول: هو حديث أنس في أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - جار فارسي طيب المَرَقة، يعني يَطْبِخ طبيخًا جيدًا، وأن هذا الجار دعى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام جالس هو وعائشة، فأَوْمَأَ هذا الجار الفارسي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعالَ، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أومأ إلى عائشة، يعني: وهذه معي؟ فقال له الرجل: لا، أنتَ وحدك؛ كل هذا بالإشارة، ما هناك كلام، لا النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم، ولا الجار تكلم. فكرر ذلك الجار هذه الإشارة ثلاث مرات، وكرر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإشارة ثلاث مرات؛ ما آتيك إلا أنا وعائشة نأكل من الطعام، فبعد المرة الثالثة وبعد أن امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات أذن ذلك الرجل بأن يأتي هو - النبي - صلى الله عليه وسلم - وعائشة رضي الله عنها.

هذا الحديث الأول، ذكره في أيش؟ في كتاب الطلاق.

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة مرفوعًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( انْظُرُوا كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ، إِنَّهُمْ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ ) ).

هذا في كتاب الطلاق.

الحديث الثالث: هو حديث الأعمال بالنيات المشهور.

هذه الأحاديث الثلاث في كتاب الطلاق، بَيِّنُوا لي الأحكام التي تستنبط من هذه الأحاديث الثلاثة مما تتعلق بالطلاق، لكن ما أريد أحدًا أن يكون نقلها من النسائي، واحدًا يكون باجتهاده الخاص؟

أما الحديث الأول:

ذكره الإمام النسائي تحت باب:"الطلاق بالإشارة المُفْهِمة"يعني يرى أن الإشارة المفهمة قد يقع بها الطلاق، مثل أن يكون مثلًا رجل يقع بينه وبين زوجته شِجَار، فتقول له مثلًا:"تطلقني"، يقول: ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت