الصفحة 30 من 92

؛ هذه إشارة مُفْهِمة، الظاهر أنه عند النسائي أن هذه الإشارة المفهِمة تُوقِع الطلاق واستدل بهذا الحديث؛ لأنه عند العلماء لا يجوز إذا خَصَّ الداعي رجلًا بالدعوة وقال له لا تأتِ بأحد معك، أنه لا يجوز له أن يأتي برجل آخر، فحِرْصُ النبي عليه الصلاة والسلام وإيمائه على عائشة ورضى ذلك الرجل بهذا الأمر، يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر هذه الإشارة واعتبر أنها لها حكمها الدال على معناها وكأنها: لا.

انظر دقة الاستنباط!! أمر بعيد، قصة بعيدة تمامًا عن باب الطلاق، يذكرها في كتاب الطلاق ويستنبط منها هذا الحكم الدقيق.

أما الحديث الثاني:

فذكره في باب:"الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها، وأنه إذا قُصِدَ بها ما لا يَحْتَمِلُه معناها لم تُوجِب شيئًا ولم تُثْبِت حكمًا"؛ هذا كلام الإمام النسائي.

يريد أن يقول الإمام النسائي: لو قال رجل لامرأته"هي طالق"، ثم جاء عند القاضي قال: لا، أنا ما قصدتُ الطلاق، قصدتُ أنكِ حرة؛ تذهبي إلى بيت أهلك أو كذا، ما قصدتُ الطلاق الشرعي. يرى الإمام النسائي أن قوله هذا مقبول ويُصَدَّق في هذا القول؛ لأن قريش لَمَّا كانت تَسُبُّ النبي عليه الصلاة والسلام كانت تسب مُذَمَّمًا، كأنها تقول أنه ليس بمحمد، هو مُذَمَّم، فكانوا يشتمون مُذَمَّمًا، فاعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الشتم والذم واللعن ليس عائدًا إليه، مع إن كفار قريش يقصدون النبي عليه الصلاة والسلام، ما يقصدون اللفظ، يقصدون المسمى، ما يقصدون الاسم، فلما استخدموا اللفظ في غير المعنى المراد له صرف ذلك الحكمَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

أما الحديث الثالث:

حديث الأعمال بالنيات ذكره في باب"الكلام إذا قُصِد به ما يحتمل معناه"، يعني إذا الإنسان قال العبارة ما يحتمل معناها لا ما يدل، يعني مثلًا إلى قال لها: اخرجي من البيت. فسُئِل عن هذا؟ قد: أنا قصدتُ الطلاق. يُعْتَبَر هذا طلاقًا.

فإذا قال الإنسان عبارة، وإن كانت غير صريحة الدلالة على الطلاق وقصد بها في نيته الطلاق؛ هذا يدل عند النسائي على أن هذه المرأة طالق عند ذلك الرجل.

هذا مثال دقيق، وإلا العلماء ذكروا عدة أمثلة على دقة استنباط هذا الإمام، وهذه أمثلة متوالية، تقريبًا في المجلد السادس من صفحة 158 إلى صفحة 159؛ هذه الأبواب متوالية، فقف عند هذا الاستنباط الدقيق لتعرف أن هذا الإمام إذا قلنا أنه فقيه تقول: سَلَّمْنَا وصَدَّقْنا، ولا تقل أنه مُحَدِّث ليس بفقيه.

فبهذا الاستنباط زاحم كبار الفقهاء في دقة الاستنباط وقوة الاستدلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت