يقول الإمام النسائي:"حدثنا فلان وفلان وفلان"ثم يقول:"واللفظ لفلان"، يعني يريد أن ينبه القارئ أو السامع أن هؤلاء الشيوخ الثلاثة الذين سمع منهم الحديث إلا أن اللفظ الذي سوف يسوقه هو لفظ فلان منهم خاصة، بل في بعض الأحيان يقول:"أخبرنا فلان وفلان وفلان، أما فلان فقال: كذا. وأما فلان فقال: كذا. وأما فلان فقال: كذا"يميز لك لفظ كل واحد عن الآخر، دقة متناهية في النقل.
قلنا كالإشارة لصاحب اللفظ ممن يورد المتن عنه، وربما يقول:"لفظ فلان كذا، ولفظ فلان كذا"، بل بلغ من دقته - وهذا أيضًا مما شابه فيه الإمام مسلم - إلى تمييز اختلاف نقل صيغ الأداة، كقوله:"أخبرني الحسن بن إسماعيل وأيوب بن محمد قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال أيوب: حدثنا، وقال الحسن: أخبرني شعبة"أيش المقصود بهذا الكلام؟!
الإمام النسائي يروي هذا الحديث عن شيخين، هما: الحسن بن إسماعيل، وأيوب بن محمد، كلا هذين الشيخين يرويا الحديث عن حجاج بن محمد المصيصي، حجاج بن محمد يروي هذا الحديث عن شعبة، لكن ما هي العبارة التي استخدمها حجاج بن محمد في الرواية عن شعبة، أما الحسن فقال:"حدثني حجاج قال: أخبرني شعبة"وأما الحسن بن إسماعيل فقال:"حدثني حجاج قال: حدثنا شعبة"؛ الأول: أخبرني، والثاني: حدثنا.
انظر الدقة لأي درجة!! وتَخَيَّلْ كم أخذت هذه من الوقت أصلًا من دقة الملاحظة في الألفاظ وفي صيغ الأداء، مع أنه لا يفرق بين صيغ الأداء، لكن كون هو لا يُفَرِّق، يعرف أنه قد يُفَرِّق غيره من المحدثين لأن الخلاف قديم بين المحدثين في التفريق بين"حدثنا وأخبرنا"، فمن حرصه على النقل الوافي يفرق بين صيغ الأداء، فما بالكم إذا كانت المسألة متعلقة بألفاظ النبي عليه الصلاة والسلام، واختلاف الرواة في نقلها، مع ما قد تؤثر به هذه الاختلافات في استنباط الحكم من الحديث، قد تكون لفظة واحدة تُغَيِّر الحكم أو تدل على حكم آخر مختلف عن الرواية الأخرى تمامًا، فكيف سوف يكون دقة نقل وحرص الإمام النسائي في إثبات هذه الخلافات، لا شك أنه سوف يكون بالغ النهاية في الدقة وفي الإثبات وفي التحري.
ذكرنا مما زاحم فيه النسائي البخاري ومسلم.
بقي ما تميز به النسائي على البخاري ومسلم:
هناك ميزة تميز بها الإمام النسائي على صحيحي البخاري ومسلم، هذه الميزة هي عنايته الفائقة ببيان علل الأحاديث، وبيان اختلاف الرواة بطريقة لا أقولها مبالغًا، من وقف على سنن النسائي الصغرى"المجتبى"