الصفحة 33 من 92

يخضع لجلالة هذا الإمام ويعرف فعلًا أنه من الأئمة المعدودين في هذا الشأن، ونقلنا لكم عبارة ابن رشيد قبل قليل ولا بأس من إعادتها عندما قال:"إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا وأحسنها توصيفًا، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم"انظر! ينبه الآن إلى الميزة التي يتميز بها على البخاري ومسلم"وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم مع حظ كبير من العلل التي كأنها كِهَانة من المتكلم".

أيش معنى هذه العبارة؛ كأنها كِهَانة من المتكلم؟!

هذا الوصف كان يستخدمه المحدثون كثيرًا، مثل عبارة عبد الرحمن بن مهدي المشهورة عندما قال:"إنكارنا الحديث عند الجهَّال كِهَانة"يعني أن أسباب رد الحديث أو تصحيحه أو تضعيفه عند من ليس له علم بعلم الحديث أو من ليس متمكنًا في علم الحديث أسباب غامضة لا يستطيع أن يستوعبها حتى يظن أن المتكلم يتكلم بنوع من الكلام في الغيبيات، مثل الكهان الذين يزعمون أنهم يتكلمون بالغيبيات، كلامُ المحدثين عند الجهال في مسائل تصحيح الحديث وتضعيفه لعمقها وبعدها عن أذهانهم كأنها كهانة أو سحر، لا يستطيعون أبدًا استيعابها، ولأجل هذا الملحظ نبه أئمة الحديث كثيرًا إلى ضرورة عدم ذكر علل الحديث أمام العامة؛ لأنهم ما يستوعبونها، مهما حاولت تسبب تشويشًا وتشتيتًا وعدم فَهم، حتى أنهم حرصوا، والإمام أبو داود نص على ذلك في رسالته إلى أهل مكة أنه ترك بيان علل كثير من الأحاديث قال:"لأنه لا تبلغها عقول العامة"، فثِقْ أن العلم المبثوث عندنا الآن في كتب هؤلاء الأئمة ليس هو جميع علمهم، بل هو العلم الذي يظنون أننا نفهمه إن شاء الله، أما العلم الدقيق فهو في قلوبهم عندهم، نجد إشارات إليه في بعض الكتب المتخصصة، كـ"العلل"لابن المديني و"العلل"للدارقطني، إشارات خفيفة لو جُمِعَت لكانت فيها تكميل صورة لا بأس بها عن هذا العلم الدقيق الذي في الحقيقة إلى الآن لم يُخدم خدمة وافية هو علم"علل الحديث"، لم يُخدم الخدمة الوافية التي تُقْفِل الباب في هذا الجانب.

ومن أمثلة تعليلات هذا الإمام الغريبة - وَقِفْ عد هذا التعليل وقفة طويلة - أنه ذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن التبتل، يعني الانقطاع وعدم الزواج، فرواه من جهة: أشعث بن عبد الملِك عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها، ورواه من جهة: قتادة - إسناد آخر - عن الحسن عن سمرة؛ قتادة يرويه عن الحسن عن سمرة، وأشعث بن عبد الملك يرويه عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة، فاختلف أشعث وقتادة؛ أشعث بن عبد الملك يرويه عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة، وقتادة يرويه عن الحسن عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -.

فبعد أن أورد هذين الطريقين قال:"قتادة أثبت وأحفظ من أشعث".

إذًا أي الحديثين أصوب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت