إلا أن هذه العبارات وهذه الأمور التي قد يُستدل بها على أن سنن النسائي صحيح كله، لا بد أن يُؤَوَّل على غير ظاهره، لِمَا؟
لأن النسائي نفسه يُعِلُّ بعض الأحاديث في"المجتبى"ويقول: هذا حديث منكر، هذا حديث شاذ، مثل ما ذكرنا آنفًا: حديث فلان أولى بالصواب، مع أنه أخرج كلا الحديثين، فبين أن أحد الحديثين راجح والثاني مرجوح، فكثيرًا ما يُعِلُّ بعض الأحاديث، إذًا ما هو مراده بوصف هذا الكتاب بالصحيح؟
نقول: مراده أنه صحيح كله إلا ما ذكر له علة أو ضَعَّفَه صراحةً، وبهذا القيد يصبح كلامه السابق مع تصرفه في السنن ليس عليه غبار ولا إشكال وواضح تمام الوضوح.
إذًا ما هو شرط النسائي في كتابه؟
"أن كل حديث يذكره في هذا الكتاب صحيح إلا إذا أَعَلَّه".
والإعلال قد يكون صراحةً، قد يقول: فيه فلان وهو ضعيف، وقد يكون ببيان اختلاف الروايات والتنصيص على أن إحداها أوْلَى من الأخرى كما سبق في رواية أشعث وقتادة، أو بأن يقول: هذا حديث منكر، هذا حديث شاذ، هذا حديث ضعيف .. ، التنصيص على الضعف أو النكارة أو الشذوذ أو ما شابه ذلك من الأحكام الدالة على الرد.
وهناك طريقة يجب أن نتنبه إليها، وهي طريقة خفية في التعليل، وهي: أن يسوق اختلاف الروايات فقط، يكتفي بأن يقول مثلًا يسوق الإسناد ثم يسوق إسنادًا آخر يخالفه، فيعتمد في ذلك على نظر القارئ، فإذا وقف على أسانيد مختلفة ينتبه إلى أن الإمام النسائي لعله يريد أن يُعِلَّ أحد هذه الأسانيد أو أحد هذه الطرق أو لعله يعل جميع الطرق.
أما إذا وجدت الحديث يورده في الباب دون أن يتكلم عنه أو يُعِلَّه أو يورد اختلافات مؤثرة في صحته، فاعلم أنه صحيح عنده.
وأيضًا مما يدل على هذا المعنى فَهْمُ أحد تلامذة النسائي الكبار والحفاظ الكبار الذين كانوا يُعَدُّ في زمنهم من كبار النقاد وهو: حمزة بن محمد الكناني المصري، كان في عصره إمام أهل مصر في العلل ومعرفة صحيح السنن من سقيمها، وهو من كبار تلامذة النسائي والآخذين عنه.
ولهذا الإمام تعليقات على"السنن"، لَمَّا كان يروي"السنن"ربما مر به حديث فيعلق عليه، وهي تعليقات نادرة جدًّا، حرص على إثباتها الإمام المزي في"تحفة الأشراف"، ففي مرة من المرات أخرج النسائي حديثًا ولم يُعِلَّه، فتعقبه حمزة الكناني هذا تلميذ النسائي بقوله:"ولا أدري كيف جاز هذا على أبي عبد الرحمن؟! ولعله اتكل فيه على عبد الجبار - أحد الرواة: عبد الجبار بن العلاء -".