في ثنايا الأنس بالفوائد والعبر المستقاة من انتفاضتي مصر وتونس، نبدأ اليوم بنقطة مهمة للغاية بل تعتبر أساس مسألة التغيير التي تشهدها مجتمعاتنا العربية هذه الأيام، ألا وهي مسألة التخطيط المتوازن لإدارة الصراع، وقبل أن نبدأ الحديث عنها لا بد أن نتصور طبيعة الأنظمة التي نواجهها اليوم، فهي أنظمة عتيدة تشعبت جذورها في مجتمعاتنا المسلمة تحرسها طوابير من الجيوش بوحداتها المختلفة وتسهر عليها أجهزة من الأمن والمخابرات والشرطة بأفرعها المنتشرة، وتسندها عضوية متعصبة لا ترى إلا ما يراه النظام، أعلاها فاسد فاجر وأسفلها مخدوع غبي، أما عن وسائلها في تركيع الشعوب فحدث ولا حرج فمن معسول الكلام وحتى إراقة الدماء وانتهاك الأعراض, وما بين ذلك ودونه من الأساليب يرونه حقًا مشروعًا (يجب) التعامل به متى ما رأوا تعديًا على خطوطهم الحمراء.
وأنظمة كهذه لن تذهب بالكلمة الطيبة والنصيحة في السر والتذكير بالله، فإن بينها وبين الخشوع والفضيلة أمدًا بعيدًا وحجبًا كثيفة، لا تسمح فيها لأعينهم بالرؤية إلا من خلال المصالح والمكاسب، ولذلك لا بد من الانتفاضة لا بد، حتى يفيق النائم وينتبه الساهي، وترتجف القلوب لينتفي عنها الران والخبث، وحتى تهتز عروش الطغاة:
وإذا الشعب يومًا أراد الحياة ** فلا بد للحق أن ينتصر
ولا بد للَّيل أن ينجلي ** ولا بد للقيد أن ينكسر
ولأن الشعوب أصحاب أقدام ثقيلة إذا ثارت فسارت اهتز لسيرها كل شيء، ولأن خصومها هم أعداء الحرية والحق والحقيقية إذا غضبوا فطاشوا انفرط لطيشهم عقد كل شيء، لا بد من عقول حاكمة تحسن تدبير الأمور وتسيير الدفة متى فار التنور وأدرك الطغاة وقوع المقدور، و أنه لا عاصم لهم من الشعب اليوم لا أعالي الجبال ولا رؤوس الأموال ولا طائرات خاصة رابضة بغير تقييد بالحبال، ولا العمارات السوامق ولا المباني الشواهق، ولا استضافة العرب ولا الاستنجاد بـ (يُورب) [1] ولا رصاص عبيد المأمور ولا بلطجية المذعور.
والناظر اليوم لوضع التيار السلفي بصفة عامة والتيار الجهادي بصفة خاصة ومكانته في المجتمع المسلم، يرى مكاسب وخسائر، يمكن للناقد البصير أن يعددها، ومالم يتكامل الجهد ويرتقي الفكر ليحقق له الوجود الفعلي والعلني الذي نعتقد أنه يمهد للحكم بالشريعة فلن يكون لجهده حاصل سوى