والجواب عن هذه الشبهة من وجوه. أحدها: أن يقال إن الله تعالى قد أقدر الملائكة على أشياء لا يقدر على مثلها أحد من البشر، ومن ذلك التمثل في غير صورهم التي خلقوا عليها. فقد كانوا يتمثلون في صور شتى من صور بني آدم وغيرهم. وقد جاء بعضهم إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام في صورة ضيوف من بني آدم فدخلوا عليه وسلموا عليه فنكرهم وأوجس منهم خيفة فقالوا: لا تخف وأخبروه أنهم قد أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وبشروه وزوجته بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. ثم جاءوا إلى لوط في صور بني آدم فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا لأنه خاف عليهم من قومه، فأخبروه أنهم رسل ربه وأن قومه لن يصلوا إليه، وأمروه بالإسراء بأهله من الليل وأخبروه بإهلاك قومه وأن موعد إهلاكهم الصبح. وجاء اثنان منهم إلى داود في صورة خصمين، وجاء جبريل إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا وأخبرها أنه رسول ربها، وأنه سيهب لها غلامًا زكيًا، ثم نفخ في جيب درعها فحملت بعيسى عليه الصلاة والسلام. وجاء ملك من الملائكة إلى الثلاثة المبتلين من بني إسرائيل فمسح على كل واحد منهم فذهب عنه ما كان فيه من البلاء وأعطى كل واحد منهم ما طلبه من المال. ثم إن الله تعالى أراد أن يبتليهم ليتبين الشاكر منهم لنعمة الله عليه والجاحد المنكر للنعمة فأرسل إليهم الملك فجاء إلى كل واحد منهم في صورته وهيئته التي كان عليها حين كانت العاهة فيه فسأل كل واحد منهم أن يعطيه ما يتبلغ به في سفره وذكره العاهة التي كانت فيه وأن الله شفاه منها وأعطاه المال الذي كان في يده فجحد الأبرص والأقرع نعمة الله عليهما واعترف الأعمى بنعمة الله عليه وشكر الله عليها، فأخبره الملك أنهم إنما ابتلوا وأن الله قد رضي عنه وسخط على الأبرص والأقرع.