الجواب: الذي أعتقده هو ما جاء في الحديث الصحيح الذي هو جواب صريح على مثل هذا السؤال وأمثاله التي تطرح في العصر الحاضر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايعتم بالعينة؟، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم"، فالأساس هو الرجوع إلى الإسلام.
وهذا الأمر قد أشار إليه الإمام مالك-رحمه الله- في كلمة مأثورة تكتب بماء الذهب، وهي قوله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، اقرأوا قول الله تبارك وتعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دنا، ولا تصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
هذه الجملة الخيرة هي بيت القيد فيما يتعلق بالجواب عن هذا السؤال، حيث قال رحمه الله: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فكما أن العرب في الجاهلية ما صلح أمرهم إلا بعد مجئ نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بوحي السماء الذي أسعدهم في الدنيا، وسينجيهم في الأخرى، فالأساس الذي ينبغي أن تكون عليه الحياة الإسلامية السعيدة في هذا الزمان ليس إلا الرجوع إلى الكتاب والسنة.
غير أن هذا الأمر يحتاج إلى شئ من التفصيل؛ لكثرة الجماعات والأحزاب الإسلامية الموجودة في الساحة والتي تدعي لنفسها أنها وضعت المنهج الذي يمكنها من تحقيق المجتمع الإسلامي والحكم بالإسلام.
ونحن نعلم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السبيل إلى تحقيق ذلك إنما هو سبيل واحد وهو ما ذكره الله عز وجل بقوله:** وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ولقد وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلملأصحابه؛ فقد خط لهم يوما خطا مستقيما على الأرض ثم خط على جانبه خطوطا قصيرة، ثم قرأ عليه الصلاة والسلام وهو يمر بإصبعه الشريفة على الخط المستقيم الآية السابقة ثم أشار إلى الخطوط التي على جانبي الخط المستقيم، ثم قال:"هذا سبيل الله وهذه السبل على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو له"
وقد أكد ربنا عز وجل بآية أخرى ما ذكر في الآية السابقة مع شرح رسول الله صلى الله عليه وسلملها في الحديث المذكور أنفا؛ فقال تعالى:** ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصر، ففي هذه الآية حكمة بالغة،فقد عطف سبحانه سبيل المؤمنين على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه النكتة أشار إليها رسول الله في حدث الافتراق عندما سئل عن الفرقة الناجية فقال:"ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
*فما هي الحكمة في ذكر الله عز وجل في هذه الآية سبيل المؤمنين؟ وما هي النكتة في عطف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على نفسه في الحديث السابق ؟
الجواب: أن هؤلاء الصحابة الكرام هم الذين تلقوا الوحيين من رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا منه لهم مباشرة دون واسطة كما هو شأن من جاء من بعدهم، ولا شك أن الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب"، ولذلك كان إيمان الصحابة الأولين أقوى من إيمان من جاء بعدهم، وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر:"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وعلى هذا فلا يستطيع مسلم أن يستقل بفهم الكتاب والسنة بشخصه، بل لابد أن يستعين على فهمهما بالرجوع إلى الأصحاب الكرام الذين تلقوا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مفسرا تارة بقوله، وتارة بفعله، وتارة بتقريره.
فإذن من الضرورة جدا أن نضم إلى الدعوة إلى الكتاب والسنة السير على ما كان عليه سلفنا الصالح؛ إعمالا لما سبق ذكره في بعض الآيات والأحاديث المتقدمة حينما ذكر الله سبيل المؤمنين، وذكر نبيه الكريم وأصحابه إلى فهم الكتاب والسنة على ما كان عليه سلفنا الأول من الصحابة رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان.
ويأتي هنا سؤال هام جدا يغفل عنه كثير من الجماعات أو الأحزاب الإسلامية،ألا وهو: ما هو السبيل الى معرفة ما كان عليه أصحابه من فهم وتطبيق لهذه السنة ؟
الجواب: لا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى علم الحديث؛ علم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وتطبيق قواعده ومصطلحاته حتى يتمكن العلماء من معرفة ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يصح.
وكي نختم الجواب نقول بعبارة أوضح للمسلمين الذين يريدون أن يعيدوا العزة للإسلام، والمجد للإسلام، والحكم للإسلام: لا بد لكم أن تحققوا أمرين اثنين:
أما الأمر الأول: فهو ان تعيدوا إلى أذهان المسلمين شريعة الاسلام مصفاة من كل ما دخل فيها مما لم يكن منها يوم أنزل الله تبارك وتعالى قوله:** اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا، وإعادة هذا الأمر اليوم كما كان في العهد الأول يحتاج إلى جهود جبارة من علماء المسلمين في مختلف أقطار الأرض.
والأمر الآخر:ينبغي أن يقترن العمل الجاد الدؤوب بهذا العلم المصفى.
ثم يعملون على تطبيق هذا الإسلام المصفى تطبيقا عمليا صحيحا في جميع مناحي الحياة، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
هذا ما أستطيع قوله في هذه العجالة سائلا الله لنا ولعامة المسلمين أن يفهمنا الإسلام فهما صحيحا على ضوء كتابه وسنة رسوله الصحيحة وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح، وان يوفقنا للعمل بذلك، إنه سميع مجيب.