فهرس الكتاب
لكن يتركه إلى خصلة أخرى مثل خصال الكفارة، وهكذا أيضًا في الواجب الموسع، فالصلاة في أول الوقت واجبة لكنه لو تركها بعزم أن يؤديها في أثناء الوقت جاز له ذلك.
المسألة الثانية: مسميات الندب أو المندوب:
* قوله: وهو مرادف السنة والمستحب: المندوب قد يسمى: سنة، وقد يسمى: مستحبًا. وقد يسمى: رغيبة، وهناك تسميات متعددة.
وظاهرة كلام المؤلف أن هذه الأسماء سواسية لا فرق بينها، ليس بعضها أعلى درجة من بعض وليس هناك تمايز بينها. وبعض الناس يقول: السنة هي المندوب عليه بدليل نصي من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمستحب هو ما ثبت استحبابه بدليل غير السنة كالقياس، ونحوه.
لكن هذا ليس على طريقة الأصوليين فإن الأصوليين يجعلون هذه الكلمات مترادفة بمعنى أنه تدل على معنى واحد.
المسألة الثالثة: هل المندوب مأمور به أو ليس مأمورًا به؟
* قوله: وهو مأمور به: ويترتب على هذه المسألة، أن الأصل في الأوامر
خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ [1] وَالرَّازِيِّ [2] .
أن تدل على الوجوب، فإذا جاءنا أمر ثم جاءنا دليل يدل على أن هذا الأمر ليس على الوجوب، فهل نحمله على الندب مباشرة؟ أو نقول: هو مجمل حتى يأتينا دليل آخر يدل على المراد به؟
إن قلنا: المندوب مأمور به حملنا الأمر المصروف عن الوجوب إلى الندب مباشرة. مثال ذلك: قول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:282] ، اشهدوا: فعل أمر، والأصل في الأوامر أن تكون للوجوب، لكن جاءنا دليل يدل على أن الإشهاد في البيع ليس بواجب وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى جملًا ولم يشهد [3] فدل ذلك على أن الإشهاد ليس بواجب، فحينئذ هل نحمل قوله: واشهدوا، على الندب مباشرة، أو نقول: نتوقف فيه حتى يأتينا دليل آخر يبين المراد به؟
إن قلنا: المندوب مأمور به، حملناه على الندب مباشرة، وإن قلنا: المندوب ليس مأمورًا به، نتوقف فيه حتى يتبين حاله ويأتينا دليل يوضح المراد به. وقال المؤلف: وهو مأمور به: يعني أن المندوب مأمور به كما قال جمهور الأصوليين، لا كما قال الكرخي والرازي من الحنفية.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَةِ الْأَمْرِ إِلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ، وَلِأَنَّهُ طَاعَةٌ، وَكُلُّ طَاعَةٍ مَأْمُورٌ بِهَا.
قَالَا: لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، لَعَصَى تَارِكُهُ، إِذِ الْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَلَتَنَاقَضَ «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ، مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْأَمْرِ مُؤَكِّدًا.
واستدل الجمهور على ذلك بعدد من الأدلة:
الدليل الأول:
* قوله: لنا: ما تقدم من قسمة الأمر إلى إيجاب وندب: يعني أن الأوامر تنقسم إلى أمر إيجاب وأمر ندب، مما يدل على أن المندوب مأمور به.
الدليل الثاني: * قوله: ومورد القسمة مشترك: أي أن قسمة الأحكام الشرعية مشترك بين الواجب والمندوب وهو كون كل منهما، مأمورًا به.
(1) أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي الكرخي، فقيه حنفي معتزلي، توفي سنة 340 هـ.
ينظر: سير أعلام النبلاء (15/ 426) البداية والنهاية (11/ 224) طبقات الحنفية ص (340) .
(2) أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي، المعروف بالجصاص، وهو لقب له. ولد سنة 305 هـ وتوفي سنة 370 هـ.
ينظر: طبقات الفقهاء ص (150) سير أعلام النبلاء (16/ 340) طبقات الحنفية (1/ 84) .
(3) أخرجه أبو داود (3607) والنسائي (4647) وأحمد (5/ 215) من حديث خزيمة بن ثابت - رضي الله عنه - وهو حديث طويل فيه قصة.