فهرس الكتاب
وأبي بكر رضي الله عنهما, أو لكونه لم يعرف الراوي كما في حادثة ابن مسعود - رضي الله عنه - أو لغير ذلك من الأسباب بدلالة أنه لما شهد اثنان في هذه القضايا قبلوها وراوية الاثنين لم تخرج من كونها خبر آحاد.
القول الثاني: قول الجماهير بأن أخبار الآحاد حجة شرعية يجب العمل بها واستدلوا على ذلك بأدلة:
الدليل الأول: ما تواتر عن البني - صلى الله عليه وسلم - في أنه كان يرسل الآحاد لتبليغ الشريعة فدل هذا على أن خبر الواحد مقبول إذ لو لم يقبل لما أرسل الآحاد، إذ لا فائدة من إرسالهم، ويكون حينئذ إرسالهم عبثًا.
قالوا: يمكن أن يكون مع خبر الواحد قرائن تدل على صدقه.
قلنا: هذه القرائن في أذهانكم، ولو كان هناك قرائن لنقلت، فلما لم ينقل شيء من هذه القرائن دل على أنه لم يكن هناك قرائن.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة على قبول أخبار الواحد في حوادث كثيرة متواترة من ذلك قبول الصديق - رضي الله عنه - خبر المغيرة ومحمد بن مسلمة لما شهدا أن الجدة ترث السدس [1] ، وكذلك قبول عمر - رضي الله عنه - خبر حمل بن مالك في أن دية الجنين غرة عبد أو أمة [2] , وكذلك قبل عمر - رضي الله عنه - خبر الضحاك في توريث المرأة من دية زوجها [3] وقبل عمر - رضي الله عنه - خبر عبد الرحمن بن عوف في أن المجوس تؤخذ
منهم الجزية كاليهود والنصارى [4] .
وقبل عثمان - رضي الله عنه - خبر فريعة بنت مالك بأن المطلقة ثلاثًا ليس لها سكنى أي خبر فريعة بنت مالك في تحول المعتدة من مسكنها [5] . وكذلك علي - رضي الله عنه - قبل خبر الصديق وهو واحد في أن من كان عليه ذنب فليصل ركعتين ثم ليستغفر عقيب ذلك [6] ، والصحابة لما اختلفوا فيمن جامع زوجته ثم أكسل ولم ينزل هل عليه غسل رجعوا إلى عائشة رضي الله عنها وهي واحدة وروت لهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل» [7] فهذا إجماع من الصحابة على قبول خبر الواحد.
وأهل قباء كانوا جماعة ثم جاءهم واحد وأخبرهم أن القبلة قد تحولت فقبلوا خبره [8] وكذلك في قضايا كثيرة قد قبل فيها الصحابة أخبار الآحاد.
اعترضوا، فقالوا: يمكن أن يكون مع هذه القضايا قرائن هي التي جعلتهم يقبلونها.
قلنا: تقدير هذه القرائن بدون دليل فلا تقبل هذه الدعوى، ولو كان هناك قرائن لنقلت، لكنه لم ينقل شيء من هذه القرائن، ويدل على هذا أن الصحابة صرحوا أن عملهم إنما هو بخبر الواحد.
وقال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره.
الثَّالِثُ: وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِ الْمُفْتِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ ظَنِّهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَلْيَجِبْ قَبُولُ قَوْلِ الرَّاوِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ السَّمَاعِ، وَالْجَامِعُ حُصُولُ الظَّنِّ.
قَالُوا: قِيَاسٌ ظَنِّيٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ أَصْلٌ.
قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ.
الدليل الثالث: من أدلة الجمهور على أن خبر الواحد مقبول سمعًا: أنه بإجماع أمة الإسلام أن المفتي الواحد يجب قبول خبره وفتواه، متى كان من أهل العلم والعدالة، وهو واحد فكذلك الراوي
(1) أخرجه أبو داود (2894) والترمذي (2100) وابن ماجه (2724) .
(2) أخرجه أبو داود (4572) وابن ماجه (2641) والنسائي (8/ 47) .
(3) أخرجه أبو داود (2927) والترمذي (1415) وابن ماجه (2642) .
(4) أخرجه مالك (1/ 278) وعبد الرزاق (6/ 69) وابن أبى شيبة (2/ 435) والبيهقي (9/ 189) .
(5) أخرجه أبو داود (2300) والترمذي (1204) وابن ماجه (2031) .
(6) أخرجه أبو داود (1521) والترمذي (3006) وابن ماجه (1395) .
(7) أخرجه مسلم (349) .
(8) أخرجه مسلم (527) .