فهرس الكتاب
هناك دليل يدل على حجية رواية المجهول، فيبقى على الأصل وهو أنه لا يعمل بروايته، فحينئذ لا يوجد دليل على قبول رواية المجهول لا من إجماع ولا من نص حتى من القياس.
* قوله: وليس في معنى العدل ليلحق به: أي ليس المجهول مماثلًا للعدل في المعنى بحيث يمكن قياس المجهول على العدل فدل ذلك على أنه لا توجد أدلة دالة على حجية رواية المجهول لا من الكتاب ولا من القياس ولا من الإجماع.
الدليل الثاني: قالوا العدالة شرط, والفسق مانع، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات:6] فيكون الشك في هذا الشرط ـ وهو العدالة ـ مؤثرًا كما أن الشك في شرط الإسلام وشرط التكليف مؤثرًا.
فإنه لو جاءنا شخص لا نعلم أهو مسلم أم كافر لم تقبل روايته بالاتفاق بيننا وبينكم، لكوننا نجهل وجود أحد الشروط وهو شرط الإسلام فهكذا أيضا إذا جهلنا شرط العدالة هل يوجد في الراوي أو لا يوجد فإن الأصل أنه لا يقبل قياسًا على ما ذكرناه من شرط الإسلام وشرط التكليف.
الدليل الثالث: أن شهادة المجهول في العقوبات لا تقبل بالاتفاق, فكذلك روايته.
احْتَجَّ الثَّانِي: بِقَبُولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ،
الدليل الرابع: أن المفتي لا تقبل فتواه إلا إذا كان عدلًا فالمفتي الفاسق لا تقبل فتياه، فإذا جهلت عدالة المفتي ولم يعلم هل هو عدل أو فاسق, فإنه لا يجوز العمل بفتياه بالإجماع، فنقيس عليه أيضًا الراوي. فأركان القياس هنا هي: الأصل: المفتي. والفرع: الراوي. والحكم: لا يقبل قوله عند الجهل بعدالته. والعلة: عدم العلم بعدالته.
وهذا القياس قياس أولوي لأن قول المفتي إنما هو في قضية جزئية، بينما رواية الراوي في قضية عامة تطبق على صور كثيرة.
القول الثاني في المسألة: أن رواية مجهول العدالة مقبولة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة واستدل على ذلك بعدد من الأدلة:
الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل شهادة الأعراب مع أنهم كانوا مجهولي العدالة، كما في الحديث الذي ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة أعرابيًا في رؤية الهلال, ولكن هذا الحديث ضعيف الإسناد [1] ، والصواب أن الحديث الصحيح هو أن ابن عمر - رضي الله عنه - هو الذي شاهد الهلال [2] وعلى الفرض بصحة هذا الحديث فإنه لا يصح الاستدلال به هنا، لأن هذا الأعرابي صحابي، والصحابة عدول بدلالة النص، ثم إنه قد يحتمل الأمر أن يكون ذلك الأعرابي قد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحاله إما بوحي أو بدلالة أو بتزكية فلا يكون مماثلًا لمجهول العدالة.
وَالصَّحَابَةِ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامَ، وَبِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَوَى أَوْ شَهِدَ قُبِلَ، وَلَا مُسْتَنَدَ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَتَرَاخِي الزَّمَنِ بَعْدَهُ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِلرَّدِّ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ، إِذْ لَا يَظْهَرُ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ،
الدليل الثاني لهم: قالوا: إجماع الصحابة على قبول رواية الأعراب والنساء مع أنهم لم يعرفوا منهم سوى الإسلام، فهم مجهولون في حقهم فدل ذلك على قبول رواية مجهول العدالة.
وأجيب عن هذا بأن الصحابة لم يقبلوا شهادة ولا رواية كل راوٍ، وإنما قبلوا رواية من علموا عدالته، وأما من جهلت عدالته فإنهم لم يقبلوا روايته.
جواب آخر: أن الصحابة إنما قبلوا شهادة الأعراب والنساء من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة قد وردت الأدلة بتعديلهم.
(1) أخرجه أبو داود (2340) والترمذي (691) والنسائي (4/ 132) وابن ماجة (1652) .
(2) أخرجه أبو داود (2342) والدارمي (2/ 9) وابن حبان (3447) والطبراني في الأوسط (4/ 165) والدارقطني (2/ 156) والحاكم (1/ 585) والبيهقي (4/ 212) .