الصفحة 279 من 917

وَابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» [1] مِنْ أُسَامَةَ.

ثُمَّ: أَمَرَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ، لَكِنَّهُ دُونَهُ، لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ، وَاعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ الْأَمْرِ إِلَّا بَعْدَ جَزْمِهِ لِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَمَعْرِفَةُ الْأَمْرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ اللُّغَةِ، وَهُمْ أَهْلُهَا؛ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ وَنَحْوِهَا خِلَافٌ، وَخِلَافُنَا فِيهِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ.

سمعته من الفضل بن عباس، فدل ذلك على أن الصحابة قد يروي بعضهم من بعض.

المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بكذا أو نهى عن كذا أو رخص في كذا، فهذه اللفظة فيها احتمال الانقطاع، وفيها احتمال أن يكون قد فهم الصحابي شيئًا على غير حقيقته و على غير المراد به، أو يكون قد فهم اللفظة على أنها أمر وهي ليست كذلك.

والصواب أن هذه المرتبة أيضًا صحيحة ومقبولة.

والصحابة هم أهل اللغة ويبعد أن يكون الصحابي قد فهم الكلام على غير المراد به، وحينئذ فإذا فهموا شيئًا فهو موافق للغة، لأنهم من أهل اللغة فلا يمكن أن يجزم بشيء من المعاني إلا إذا وجد ذلك المعنى حقيقة, والاختلاف في ألفاظ الأمر والنهي، إنما حدث في قرون متأخرة عند الأشاعرة فهم يقولون: إن الأوامر هي المعاني النفسية، وهذا خلاف حادث فلا يصح أن نطبق الخلاف الحادث على الألفاظ قبل وجود الخلاف وهو عهد الصحابة.

ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: أُمِرْنَا، أَوْ نُهِينَا؛ فَيُحْتَمَلُ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَرَدَّهُ قَوْمٌ لِذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ قَبُولُهُ، إِذْ مُرَادُ الصَّحَابِيِّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم -، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْرَ الله تَعَالَى، بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ أَخْطَأَ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَيَخْرُجُ قَبُولُهُ إِذَنْ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ أَمْ لَا، وَلَا يَتَوَجَّهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ جَرَتْ، أَوْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِكَذَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا، وَقَوْلُ التَّابِعِيِّ وَالصَّحَابِيِّ، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - وَبَعْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَظَهَرُ.

المرتبة الرابعة: أن يقول الصحابي: أُمرنا بكذا ونُهينا عن كذا، فيحتمل الواسطة، ويحتمل الخطأ في الفهم، ويحتمل أيضًا أن يكون الآمر غير النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذلك قال قوم: هذا لا يقبل، والأظهر أن الصحابي لا يقول: أمرنا في مقام الاحتجاج إلا إذا كان مسندًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الصحابي عدل فلا يمكن أن يوهم الناس بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بشيء وهو لم يأمر به حقيقة.

والمؤلف قد جعل هذه الصيغة تابعة لحجية قول الصحابي عند من يقول بأنها غير مرفوعة، فقال: فيخرج قبوله إذن على أن مذهب الصحابي حجة أم لا؛ وهذا الكلام خطأ بل الصواب أن هذا اللفظ من السنة المرفوعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن أنواع المرتبة الرابعة: أن يقول الصحابي من السنة كذا، فهذا أيضًا له حكم الرفع، ويكون من المرتبة الرابعة.

وهكذا لو قال التابعي: من السنة كذا، هذا أيضًا له حكم الرفع، ولكنه يكون مرسلًا لأنه لم يذكر فيه اسم الصحابي.

ثُمَّ قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ، أَوْ: كَانُوا يَفْعَلُونَ، نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: (كُنَّا نُفَاضِلُ) [2] وَ (كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً) [3] ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ: (كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ

(1) أخرجه مسلم (1596) .

(2) أخرجه ابن حبان (7251) والطبراني في الأوسط (8/ 303) .

(3) أخرجه بنحوه مسلم في البيوع 95 ـ (1536) من حديث جابر - رضي الله عنه -. وأخرجه أبو داود (3395) من حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه -،وأخرجه النسائي (7/ 48) وابن ماجه (2450) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت