الصفحة 294 من 917

ومن أنواع المراسيل ما لو قال الراوي: حدثني الثقة.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْجُمْهُورُ يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَنَحْوِهَا، خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ; لِأَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، تَتَوَفَّرُ الدَّاوَعِي عَلَى نَقْلِهِ; فَيَشْتَهِرُ عَادَةً; فَوُرُودُهُ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ، دَلِيلُ بُطْلَانِهِ.

وَلَنَا: قَبُولُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا.

* قوله: الحادية عشرة: هذه المسألة متعلقة بأخبار الآحاد في بعض المواطن الخاصة وما سبق من مسائل كانت في خبر الآحاد بشكل عام، وتضمن هذا المبحث عددًا من المسائل.

المسألة الأولى: إذا كانت هناك مسألة تعم بها البلوى بمعنى أنه يحتاج إليها أكثر الناس، والمؤلف مثَّلَ لذلك برفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، فإن أبا حنفية يقول: لا ترفع الأيدي إلا عند تكبيرة الإحرام. والجمهور يقولون: ترفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع منه وعند السجود.

هذه المسألة وهي مسألة رفع اليدين مما تعم بها البلوى، هل يقبل فيها خبر الواحد أو لا؟

الجمهور استدلوا بأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه كما رواه البخاري من حديث ابن عمر [1] و حديث وائل بن حجر ومن حديث أبي هريرة وغيرهم.

فقال الحنفية: هذه أخبار آحاد فيما تعم به البلوى فلا تقبل.

مثال آخر: الجمهور قالوا تقبل أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى ولذلك

وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْوِتْرِ، وَالْقَهْقَهَةِ، وَتَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ، وَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، إِذْ أَثْبَتُوهُ بِالْآحَادِ، وَدَعْوَاهُمْ تَوَاتُرَهُ وَاشْتِهَارَهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ; فَبِالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ أَوْلَى،

قبلوا حديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ» [2] . ولم يقل به الحنفية لأنه خبر آحاد فيما تعم به البلوى. إذن عندنا قولان:

القول الأول: قول الجمهور بأنه تقبل أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى، واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة:

الدليل الأول: إجماع أهل العصور الأولى على قبول خبر الواحد مطلقًا بما يشمل ما تعم به البلوى.

الدليل الثاني: عموم النصوص الواردة بحجية خبر الواحد لأنها تشمل خبر الواحد فيما تعم به البلوى.

الدليل الثالث: قالوا: إنكم يا أيها الحنفية قد أثبتم مسائل تعم بها البلوى بواسطة خبر الآحاد فقلتم: تجب صلاة الوتر بناء على خبر واحد، وقلتم: من قهقه في الصلاة بطل وضوؤه وصلاته. ومن قهقه خارج الصلاة لم يبطل وضوؤه. واستندتم في ذلك على حديث آحاد ضعيف ومثله أيضًا في تثنية الإقامة وخروج النجاسة من غير السبيلين مثل الدم.

ودعوى الحنفية اشتهار هذه الأخبار غير مقبول، لأن المرجع في ذلك هم أهل الحديث وقد قالوا بعدم تواتر هذه الأخبار وعدم اشتهارها.

الدليل الرابع: أن القياس طريق صحيح لإثبات الأحكام فيما تعم به

وَفِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالْحُدُودِ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ; لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ ; فَيَنْهَضُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْقِيَاسِ وَالشَّهَادَةِ، إِذْ هُمَا مَظْنُونَانِ، وَيُقْبَلَانِ فِي الْحَدِّ، ...

(1) أخرجه البخاري (739) ومسلم (390) .

(2) أخرجه أبو داود (181) والترمذي (82) والنسائي (1/ 216) وابن ماجه (479) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت