فهرس الكتاب
الواحد من أجل القياس. استدلوا على ذلك بأن القائس متيقن من كلام نفسه لكن المجتهد قد يكون غير متيقن من خبر الواحد.
وأجيب عن هذا بأن نقول: صحيح هو متيقن من اجتهاد نفسه، لكن لا يتيقن أنه قد أصاب الحق، لأنه يحتمل أن يرد عليه الخطأ في الاجتهاد، بخلاف
حَقِيقَةِ الْخَبَرِ، بَلْ فِي طَرِيقِهِ; فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، وَأَيْضًا مُقَدِّمَاتُ الْقِيَاسِ أَكْثَرُ; فَالْخَطَأُ فِيهَا أَغْلَبُ. ثُمَّ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ سَفَرًا لَا حَضَرًا،
الخبر فإنه لا يمكن أن يقول الإنسان عن خبر الواحد هذا خطأ في الاجتهاد وإنما الخطأ في وسيلته وطريقته وهو الكلام في الرواة، فحينئذ يكون الكلام الذي ينقله الرواة مسندًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون أولى بالقبول من العمل بالقياس.
ثم إن القياس له مقدمات كثيرة وإذا كانت له مقدمات كثيرة فإنه قد يرد الخطأ على هذه المقدمات الكثيرة بخلاف خبر الواحد فإن مقدماته يسيرة فتكون ثقتنا في خبر الواحد أعظم من ثقتنا في القياس.
الدليل الآخر للجمهور قالوا: إنكم يا أيها الحنفية والمالكية قد خالفتم هذه القاعدة فتركتم العمل بالقياس وعملتم بخبر الواحد في مواطن عديدة مثال ذلك: جاء في حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - , كان في سفر فجيء له بنبيذ فتوضأ فقيل له في ذلك فقال: «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» [1] فأخذ منه الحنفية جواز الوضوء بالنبيذ في حال السفر دون حال الحضر.
قلنا لهم: إنكم يا أيها الحنفية تركتم القياس الذي يقتضي أن يكون السفر مماثلًا للحضر فيما يجوز الوضوء به، وإنما تركتم القياس من أجل خبر واحد وهذا مخالف للقاعدة التي أصلتموها، مع
(1) أخرجه أبو داود (84) والترمذي (88) وابن ماجه (384) ، قال الترمذي: أبو زيد مجهول. وقال الزيلعي: مداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول. ينظر: نصب الراية (1/ 138) .