فهرس الكتاب
لابد أن يكون الحكم الأول ثابتًا بخطاب كما تقدم معنا في تعريف النسخ.
الدليل الثالث: أن النصوص الدالة على جواز النسخ لم تفرق بين نسخ الأخف بالأثقل ونسخ الأثقل بالأخف، وحكمة النسخ موجودة فيهما.
القول الثاني: أنه لا يجوز النسخ إلى ما هو أشد وأثقل وهذا مذهب بعض الظاهرية، واستدلوا على ذلك بأن هذا تشديد، والله تعالى يريد اليسر على عباده وهو رؤوف بعباده، وحينئذ لا يناسب أن يشدد عليهم.
وأجيب عن هذا بعدد من الأجوبة:
الجواب الأول: أنه عز وجل قد يوجب الأحكام ابتداء، فقد كانت الصلاة غير واجبة ثم وجبت، ومع ذلك لا يعد هذا مناقضًا لرحمة الله أو لإرادته التخفيف على العباد.
الجواب الثاني: أن الله يقدر على العباد بعض المقادير التي لا يرغبون فيها مثل المرض والفقر ونحو ذلك ولا يعد هذا مناقضا للآية: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .
فإن قالوا: قد يكون تقدير هذه الأشياء لمصالح علمها الله في حال العبد أنه لا يصلحه إلا المرض أو الفقر ونحو ذلك، قلنا: كذلك نسخ الأخف إلى الأثقل قد يكون لمصلحة المكلف وهذه الآيات التي استدللتم بها وردت في صور خاصة حينئذ لا يصح تعميمها.
وَلَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ حُكْمُ النَّاسِخِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي،
وقد يجاب بجواب آخر: أن النسخ إلى الأثقل وإيجاب التشريع على العباد قد يكون تخفيفًا لهم لأنه يحصل به لذة المناجاة ولذة العبادة، وبالتالي تستقر نفوسهم وتهنأ وإن كان تشديدًا من جهة إلا أنه يتضمن التخفيف من جهات أخرى.
المسألة الثالثة: هل يزم المكلف حكم الناسخ قبل أن يعلم به؟
الحكم قد ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يصل إلى بقية أطراف البلاد وأهل الإسلام إلا بعد مدة، فحينئذ من وقت نزول الناسخ إلى وقت وصول الناسخ إلى المكلف، هل يكون المكلف مأمورًا بالعبادة