فهرس الكتاب
الأمر بإيقاع هذه العقوبة. و لو قال الوالد لولده: افعل كذا، ولم يفعل فعاتبه ووبخه وزجره، فلا يقال: إنه قد فعل بهذا العتاب أمرًا مخالفًا للعقل، وهكذا أيضًا فيما يتعلق بالسيد لمملوكه وبصاحب العمل بأجيره.
الدليل الثالث: أنه تتابعت النصوص الشريعة فإن النصوص قد دلت على أن الأصل في الأوامر الوجوب، كما في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] . فدل ذلك على أن
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] ،ذَمَّهُمْ وَذَمَّ إِبْلِيسَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ، وَدَعْوَى قَرِينَةِ الْوُجُوبِ، وَاقْتِضَاءُ تِلْكَ اللُّغَةِ لَهُ دُونَ هَذِهِ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ؛
مخالف الأمر يحذر عليه من هذه الأشياء ولا يستحق العقوبة إلا تارك الواجب. ومثله قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36] فلم يجعل للمؤمن حق مخالفة الأوامر وجعل مخالف الأمر عاصيًا، وخاف على مخالف الأمر بإيقاع الضلال المبين عليه.
ومثله أنه سبحانه عاب على الذين توجه إليهم الأمر بالركوع والسجود ثم لم يمتثلوا، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات:48] .
اعترضوا وقالوا: يمكن أن هذه الآيات فيها قرينة دلت على الوجوب؟ فالوجوب لم يؤخذ من ذات اللفظ: اركعوا, وإنما أخذ من