فهرس الكتاب
تكون دالة
وَقِيلَ: إِنْ وَرَدَ بِصِيغَةِ افْعَلْ فَكَالْأَوَّلِ لِلْعُرْفِ، وَإِلَّا فَكَالثَّانِي، نَحْوَ: أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِكَذَا، لِعَدَمِهِ فِيهِ، وَالْحَقُّ اقْتِضَاؤُهَا الْإِبَاحَةَ عُرْفًا لَا لُغَةً.
لَنَا: فَهْمُ الْإِبَاحَةِ مِنْ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: كُلْ هَذَا الطَّعَامَ بَعْدَ مَنْعِهِ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ غَالِبًا كَذَلِكَ، نَحْوَ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] ، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة:10] ، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة:222] ، وَنَحْوِهَا، وَاسْتِفَادَةُ وُجُوبِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ: {فَقَاتِلُوا (( (( (( (( الْكُفْرِ} [التوبة:12] وَنَحْوِهَا، لَا مِنْ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:5] .
على الوجوب إلا ما ورد قرينة تدل على أن هذا الأمر مصروف عن الوجوب. وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة و جماعة.
القول الثالث: أننا نظر ما هو حكم هذه الأفعال قبل ورود النهي فنحمل الأمر بعد الحظر عليه، فقبل النهي إذا كان الفعل واجبًا, ثم نهي عنه, ثم أمر به، فإنه يكون واجبًا.
مثال ذلك: المقاتلة للمشركين كانت واجبة، لكن الله حرم مقاتلتهم في الأربعة أشهر الحرم الواردة في أول سورة التوبة، قال تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة:1] ثم قال بعد ذلك: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:5] فهنا أمر بعد حظر، وهذا الأمر ورد بعد وجوب فيكون الأمر الثاني للوجوب.
ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» [1] زوروها: فعل أمر ورد بعد نهي، وزيارة القبور في أول الأمر كانت مستحبة ثم نهي عنها ثم أمر بها في قوله: فزوروها، فيعود الأمر على ما كان عليه وهو الندب
(1) سبق تخريجه ص (402) .