الصفحة 392 من 917

الدليل الرابع: إجماع الصحابة، فإنهم إذا حدثت لهم قضية رجعوا إلى مسائل حكم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - على شخص واحد مثل حديث: «قضى بالشفعة» [1] فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقض بذلك على جميع الناس، وإنما قضى به في القضايا المعروضة عليه فهو إنما قضى به في قضية واحدة، فأخذوا منه أنه يقضي بالشفعة في كل ما كان مماثلًا لتلك المسألة، فحكموا بتعميم هذه الحادثة مع أنها لم ترد إلا في مسألة خاصة.

قال المؤلف: وأجمع الصحابة على الرجوع في القضايا العامة إلى قضاياه

وَقَالَ - صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» [2] فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ لَهُ: لَسْتَ مِثْلَنَا؛ فَدَلَّ عَلَى التَّسَاوِي.

الخاصة ولولا صحة ما قلناه بأن الخطاب الموجه لواحد يشمل جميع الأمة لكان رجوعهم هذا خطأ لجواز أن تكون تلك القضية خاصة بذلك الشخص الذي قضى له.

الدليل الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل أشياء، فجاء بعض الصحابة وظنوا أن تركها من الورع، وقالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبي ورسول وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيمكن أن يكون الحكم في هذه الأشياء خاصًا به، فلما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم أنكر عليهم وقال: «والله إني لأرجوا أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه» (1) وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، فقالوا: لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فيغضب ثم يقول: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» [3] فدل ذلك على أن الأصل في أفعاله وفي الخطاب الموجه له أن يكون عامًا لجميع الأمة ولذلك لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال قالوا يا رسول الله: أنك تواصل, قال: «إني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إني أُطْعَمُ

(1) أخرجه البخاري (2214) ومسلم (1608) .

(2) أخرجه مسلم (1110) .

(3) أخرجه البخاري (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت