فهرس الكتاب
الدليل الأول: تكليف أواخر الأمم الخالية بما كلف به أوائلهم، من مقتضى كتبهم المنزلة على أنبيائهم، ولذلك يخاطب الأنبياء أممهم سواء الموجود منهم أو المعدوم.
إذن نحن مخاطبون بما في الكتاب والسنة، وعند ورود الكتاب والسنة والتكلم بهما كنا معدومين، ومع ذلك تعلق الخطاب بنا.
واستدل المعتزلة القائلون بأن الخطاب لا يتوجه للمعدوم، وقالوا يستحيل توجيه الخطاب للمعدوم، فكيف يخاطب من لم يوجد، فإذا لم نتمكن من توجيه الخطاب له، فإنه يستحيل تكليف المعدوم.
قلنا في الجواب: لا نسلم استحالة خطاب المعدوم، فإن الله تعالى قادر على أن يخاطب المعدوم، ولذلك نحن نسجل في المسجل كلامًا ثم ينتفع به من بعدنا، فخاطب في هذا الوقت أناسًا مع أنهم كانوا معدومين. قالوا: وحينئذ لا نسلم استحالة خطاب المعدوم.
سلمنا أنه يستحيل خطاب المعدوم, لكن الاستحالة في حق غير الله عز
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ خِطَابِهِ، سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ الله تَعَالَى لِتَحَقُّقِهِ وُجُودَ الْمُكَلَّفِ، وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِيجَادِهِ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ، وَإِنَّ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ لَيْسَتْ فِي إِيجَادِ الْمَعْدُومِ، بَلْ فِي إِظْهَارِ الْأَشْيَاءِ مِنْ رُتْبَةِ الْخَفَاءِ إِلَى رُتْبَةِ الْجَلَاءِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُخَاطِبُ وَلَدًا يَتَوَقَّعُهُ فِي كِتَابٍ: يَا بُنَيَّ، تَعَلَّمِ الْعِلْمَ، وَافْعَلْ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يُعَدُّ سَفِيهًا.
وجل، أما في حق الله عز وجل فهو ليس مستحيلًا، لأن رب العالمين يعلم أنه سيوجد هؤلاء المعدومون، وأنهم سيوجدون بعد ذلك، فإنه قادر سبحانه على إيجاد هؤلاء المعدومين في الزمان الثاني عالم بذلك، ومن ثم فلا مانع من خطابهم خصوصًا على قولكم يا أيها المعتزلة: إن المعدوم شيء. وتأثير القدرة ليس في