الصفحة 548 من 917

مفهوم المخالفة مما يدل على وجوب إعمال مفهوم المخالفة.

وأجاب المخالفون عن هذا الاستدلال بأن قالوا: تخصيص هذا الشيء بالذكر له فوائد أخرى غير إعمال مفهوم المخالفة.

ومن هذه الفوائد:

الفائدة الأولى: توسعة مجال الاجتهاد، لأن الحكم نص على السائمة فنأتي هنا نقول: هل السائمة فيها زكاة أولا، من أجل أن نعلم المعنى ونحصل على الأجر والثواب المرتب على الاجتهاد، لأن الاجتهاد له أجر عظيم.

وَتَأْكِيدُ حُكْمِ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ، لِشِدَّةِ مُنَاسَبَتِهِ، أَوْ سَبَبِيَّتِهِ، أَوْ وُقُوعِ السُّؤَالِ عَنْهُ، أَوِ احْتِيَاطًا لَهُ لِئَلَّا يُخْرِجَهُ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ عَنِ الْحُكْمِ وَنَحْوِهِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِمَا ذَكَرْتُمْ.

قُلْنَا: جَعْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ فَوَائِدِهِ تَكْثِيرًا لَهَا أَوْلَى،

الفائدة الثانية: أن ذكره بهذا القيد لبيان أن المتصل بهذا القيد له علاقة وارتباط أكثر من غيره بالحكم؛ لذلك قال: وتأكيد حكم المخصوص بالذكر ـ الذي هو السائمة ـ لشدة مناسبته لحكم الزكاة.

الفائدة الثالثة: يمكن أن يكون هناك فائدة من خلال تمكين المكلفين من السؤال عن القسم الآخر بحيث يسألون فيقولون: غير السائمة ما ذا نفعل بها، هل نزكيها أو لا؟

الفائدة الرابعة: يحتمل أن السؤال جاء عن الوصف المذكور فجاء الجواب بناء عليه.

الفائدة الخامسة: أن ذكر السائمة والتخصيص عليها من أجل الاحتياط لإثبات الحكم فيها لكي لا يأتي بعض المجتهدين فيقول السائمة نخصصها بالدليل الفلاني فنص على السائمة من أجل أن لا يكون هناك اجتهاد من المجتهدين يخرج السائمة.

وأجيب عن هذا بأن هذه الفوائد الخمس التي ذكرتم لا يمتنع أن تكون مماثلة ومقارنة للفائدة الأولى ويكون هناك فوائد كثيرة.

وجواب آخر بأن هذه الفوائد التي ذكرتم ليست ناتجة عن تخصيص المذكور بالحكم لأنه لا يمتنع أن يكون هناك توسعة لمجال الاجتهاد ولا يكون

وَأَيْضًا إِجْمَاعُ الْفُصَحَاءِ وَالْعُقَلَاءِ عَلَى فَهْمِ مَا ذَكَرْنَاهُ، كَقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ: مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ؟ [1] وَقَوْلِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: مَا لَنَا نَقْصُرُ، وَقَدْ أَمِنَّا؟

هناك إمكانية عن السؤال عن أشياء أخرى مع عدم تخصيص الحكم بهذا الوصف، ومن ثم فإن التقييد بهذا الوصف لا فائدة له إلا إعمال مفهوم المخالفة المسمى بدليل الخطاب.

الدليل الثاني: من أدلة الجمهور على أن دليل الخطاب بمفهوم المخالفة حجة: إجماع الفصحاء والعقلاء على استنباط الأحكام من خلال مفهوم المخالفة. فإذا تخاصم اثنان وقال أحدهما للأخر: أنا لست ناقص عقل. فنفهم منه أنه يتهم المقابل له بنقصان عقله، ولذلك لما قال - صلى الله عليه وسلم: «يقطع الصلاة ثلاثة ...

وذكر منهم الكلب الأسود فقال أبو ذر: يا رسول الله: ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟ ففهم أبو ذر من قوله: الكلب الأسود، أن لفظة: (الأسود) تعني اختصاص الحكم بقطع الصلاة بالكلب الأسود فقط دون الكلاب التي لها ألوان أخرى، وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السبب وقال: «الكلب الأسود شيطان» .

وهكذا لما قرأ يعلى ابن أمية - رضي الله عنه - قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101] ففهم يعلى بن أمية - رضي الله عنه - أن قصر الصلاة لا يصح إلا في حال الخوف وأنه إذا كان هناك أمن فلا يجوز لأحد أن يقصر الصلاة ولو كان مسافرًا، فجاء ابن أمية

(1) أخرجه مسلم (510) وتمامه: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت