فهرس الكتاب
إلى عمر - رضي الله عنه - وذكر له الآية، وقال: إننا الآن قد أمنا فلماذا نقصر؟ فرد عمر - رضي الله عنه - وقال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل سؤالك فقال:
وَوَافَقَهُ عُمَرُ [1] ،وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبَرَانِسَ» [2] ، يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ جَوَابًا. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ إِذَا نَامَ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، وَإِذَا أَكَلَ حَرَّكَ فَكَّيِهِ، لَسَخِرَ كُلُّ عَاقِلٍ مِنْهُ وَضَحِكَ عَلَيْهِ.
«رخصة تصدق الله بها عليكم» فلم يقل: هذا فهم خاطئ ولا يحق لكم في أخذ الحكم من خلال مفهوم المخالفة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عما يلبس المحرم؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: «لا يلبس القميص
ولا السراويل ... » إلى آخر الحديث، لو لم يكن مفهوم المخالفة حجة لما استفدنا جوابًا لأن السؤال عن حالة الإثبات ماذا يلبس؟ والجواب بالنفي مما يدل على أن الجواب بالنفي يتضمن الإثبات فيما عدا المفهوم، فكأنه قال: لا يلبس المحرم القميص والسروال ويجوز له أن يلبس ما عدا ذلك، مما يدل على أن مفهوم المخالفة حجة ويستدل به.
وهكذا لو قال قائل: اليهودي إذا نام غمض عينيه وإذا أكل حرك فكيه، فإن جميع العقلاء يقولون: لا يصح لك هذا الاستدلال، لأن هذه الصفات ليست خاصة باليهودي وما ذاك إلا لأن مفهوم المخالفة حجة، فإذا قلت: إن اليهودي إذا نام غمض عينيه، فهذا يدل بمقتضى لغة العرب أن غير اليهودي لا
(1) أخرجه مسلم (686) ولفظه: عن يعلي بن أُمَيَّةَ قال: قلت لِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فَقَدْ أَمِنَ الناس! فقال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ منه فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بها عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» .
(2) أخرجه البخاري (137) ومسلم (1177) .