فهرس الكتاب
ذلك بأدلة:
الدليل الأول: أن قول:"لا إله إلا الله"قد وقع الاتفاق على أنه يتضمن شيئين:
الأول: نفي الإلوهية عما عدا الله.
والثاني: إثبات الإلوهية لله، وعلى قولكم يا أيها الحنفية يلزم ألا يكون في قوله: لا إله إلا الله. إثبات الإلوهية لله، لأنكم تقولون: إن لفظة: لا إله إلا الله. تنفي الإلوهية عما عدا الله أما بالنسبة للإثبات فإنها لا تدل عليه، لا إثباتًا ولا نفيًا، لكن هذا خلاف الإجماع، فإنه قد وقع الإجماع على أن من قال: لا إله إلا الله، دخل في الإسلام، وأثبت الإلهية لله، ولذلك لما دعي المشركون إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قالوا: أجعل الآلهة إله واحدًا.
والمؤلف لم يرض هذا الاستدلال ولعله لأحد سببين:
الأول: أن المخالف يقول: هنا فيه قرائن تدل على إثبات الإلوهية لله والإثبات ليس بدلالة ذات اللفظ وإنما بالقرينة.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إِمَّا فِي تَقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ أَوْ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْأَوَّلُ يَسْتَلْزِمُ الْإِثْبَاتَ فِي الْمُسْتَثْنَى، إِذِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ إِمَّا نَافِيَةٌ؛ فَهُوَ تَطْوِيلٌ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، أَوْ مُثْبَتَةٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالثَّانِي يَمْنَعُ الْوَاسِطَةَ، إِذْ بَعْضُ الْجُمْلَةِ لَا يَكُونُ خَالِيًا عَنْ حُكْمٍ،
الثاني: أنه من المتقرر أنه لا بد من وجود إله فإذا نفينا الإلوهية عما عدا الله أثبتنا الإلوهية لله ليس بواسطة هذا اللفظ وحده (لا إله إلا الله) ، وإنما بواسطة دلالة العقل على إثبات إله.
وهذا الكلام لا يصح، فإن هذه اللفظة: لا إله إلا الله. قد وقع الاتفاق على إثبات الإلوهية بسببها لله عز وجل، والعرب الأوائل الذين خوطبوا لم يخاطبوا إلا بهذا اللفظ ففهموا من هذا اللفظ إثبات الإلوهية لله.
الدليل الثاني للجمهور على أن الاستثناء من النفي إثبات: قالوا: إما أن نقدر أن المستثنى والمستثنى منه جملة واحدة فلما قال: لم يأت أحد إلا زيدا. إما أن نجعلها جملة واحدة أو جملتين، فإننا إن جعلنا هذه اللفظة جملتين فإن هذا يستلزم الإثبات في المستثنى، الذي هو زيد، إثبات المجيء لزيد، إذ الجملة الثانية:"إلا زيدا"إما أن تجعلها نافية فتكون حينئذ تطويلًا لأن النفي قد ثبت بالكلام الأول وهو قولك: لم يأت أحد.
الاحتمال الثاني: أن نجعلها جملة واحدة: لم يأت أحد إلا زيدا. نجعلها كالجملة الواحدة، وإذا جعلناها جملة واحدة لزمنا أن نعطي المستثنى حكمًا، لعدم جواز خلو جزء الجملة من حكم، ونظرًا لعدم وجود واسطة بين الإثبات وبين النفي، لزمنا أن نعطي المستثنى الحكم بالنفي، لأنه يمتنع أن يكون جزء من الجملة ليس له حكم لأن الكلام أو الإسناد هو عبارة عن إثبات حكم لآخر أو
ثُمَّ تَصَوُّرُ الْوَاسِطَةِ فِي الْكَلَامِ مَعَ اسْتِلْزَامِهِ التَّرْكِيبَ الْإِسْنَادِيَّ الْإِفَادِيَّ مُحَالٌ؛ فَأَمَّا: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» [1] وَنَحْوُهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ.
نفيه عنه فلا يصح أن يخلو جزء الجملة من الحكم، وقد أبعدت عنه النفي فلم يبق إلا الإثبات.
قال: ثم تصور الواسطة: أي التي ليس فيها حكم لا بإثبات ولا بنفي في الكلام مع استلزام التركيب الإسنادي للحكم، لأن الجملة لابد فيها من حكم إما بإثبات أو بنفي إذا لو جعلنا قوله: لم يأت أحد إلا زيدًا، ليس فيها إثبات وليس فيها نفي هذا يخالف ما يستلزمه الكلام المفيد الذي لا بد أن يكون فيه حكم إما بإثبات أو بنفي.
قال: وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور» هذا إشارة إلى دليل آخر وهو أنهم قالوا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صلاة إلا بطهور» . فجاء بالاستثناء بعد نفي وهذا لا يدل على الإثبات باتفاق العلماء، فإن من تطهر ولم يصل لم تعتبر له صلاة باتفاق، ولو قلت: إن
(1) سبق تخريجه ص (597) .