الصفحة 556 من 917

واستدلوا على ذلك بأدلة:

الدليل الأول: قالوا: إن لفظة"إنما"مكونة من كلمتين، إن، وما، و (إن) تفيد الإثبات و (ما) تفيد النفي، ومن ثم تأخذ حكم الاستثناء فيكون الاستثناء من النفي إثبات.

قال: فأفادا مجتمعين ما أفاد كل واحد منهما حال إنفراده من الإثبات والنفي

وَلِفَهْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ مِنْ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» [1] . وَهُوَ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّ «مَا» لَهَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ؛ فَتَخْصِيصُ هَذِهِ بِالنَّافِيَةِ مِنْهَا تَحَكُّمٌ، ثُمَّ إِنَّ «مَا» هَذِهِ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا كَافَّةٌ؛ فَلَوْ كَانَتْ نَافِيَةً لَأَفَادَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ.

نَفْيَ طَلَبِ الْمَجْدِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَلَاتَّحَدَتْ كَيْفِيَّةُ الْمُسْتَدْرَكِ وَالْمُسْتَدْرَكِ مِنْهُ بِلَكِنَّمَا، نَحْوَ: مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنَّمَا عَمْرٌو قَائِمٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَلِأَنَّ النُّحَاةَ قَالُوا: دَخَلَتْ «مَا» عَلَى «إِنَّ» كَمَا دَخَلَتْ «إِنَّ» عَلَى «مَا» فِي نَحْوِ: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} [القصص:76] مُقَاصَّةً. فَالظَّاهِرُ اتِّحَادُهُمَا فِي الْحَرْفِيَّةِ.

ومن ثم نثبت الحكم للمذكور وننفيه عما عداه فنجري هذين اللفظين على مقتضى دلالتهما.

وهذا الاستدلال استدلال ضعيف، لأن (ما) هنا ليست (ما) النافية وإنما (ما) هنا هي الكافة الزائدة التي تنفي العمل، وجعل (ما) للنفي هذا خطأ، ويدل على هذا أن العرب تدخل (ما) على ألفاظ كثيرة ولا تدل على النفي، كما في قول الشاعر: ولكنما أسعى لمجد مؤثل. فإن هنا الكلام مثبت لا يصح جعله نفيًا لمنافاة ذلك لمقصد الشاعر ويدلك على ذلك أول القصيدة وآخرها.

ويدل على هذا أن (ما) تدخل على (لكن) ولا تفيد النفي إذ لو أفادت النفي لكانت (لكن) الواردة بعد النفي فيها تناقض، مثال ذلك

(1) أخرجه البخاري (2178) ومسلم (1596) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت