فهرس الكتاب
الأربع لا يحرمن.
الآن يبقى النظر في مفهوم العدد هنا تعارض مفهوم عدد مع مفهوم عدد آخر فينظر في الترجيح وللترجيح مسالك كثيرة.
وجمهور أهل العلم على أن مفهوم العدد من الحجج الشرعية ومن أنواع طرق استنباط الأحكام الشرعية، لأن حجية مفهوم المخالفة تشمله.
وقول المؤلف هنا: تخصيص نوع بحكم، صوابه: تخصيص عدد. وليس نوعًا؛ لأن النوع يدخل في الأوصاف.
السَّادِسَةُ: تَخْصِيصُ اسْمٍ بِحُكْمٍ،
النوع السادس: مفهوم اللقب، وهو أن يأتي حكم مخصوص باسم ذات، فهل يدل على أن ما عدا تلك الذات لا يحكم عليه بهذا الحكم؟ إذا قلت: محمد متفوق. حكمت بالتفوق على اسم ذات وهو محمد، فهل يدل هذا على أن ما عدا محمد لا يأخذ هذا الحكم الذي هو التفوق أو لا؟
هذا يسمى مفهوم اللقب. فالألقاب هي أسماء الذوات.
واختلف أهل العلم في حجية مفهوم اللقب على أربعة أقوال:
القول الأول: أن مفهوم اللقب ليس بحجة، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الصواب في المسألة، وذلك أن العرب لا تفهم من ربط الحكم بالألقاب، وبأسماء الذوات اختصاص الحكم بها.
القول الثاني: أن مفهوم اللقب حجة مطلقًا، وقد نسب إلى الدقاق [1] وجماعة وقال به بعض الحنابلة؛ وهذا القول فيه نظر وفي نسبة القول لهؤلاء نظر، ويبني عليه أن قول: محمد رسول الله. يلزم منه انحصار الرسالة في محمد، وهذا كلام خاطئ مخالف للقرآن
القول الثالث: أن الألقاب المشتقة يؤخذ منها مفهوم مخالفة، بخلاف الألقاب غير المشتقة. والألقاب المشتقة هي التي أخذت من فعل أو مصدر.
فمثلًا: طعام اسم لذات ولكنه مشتق من الطعم وهذا اسم مشتق، وحينئذ يقولون: نعمل فيه بمفهوم المخالفة، أما إذا كان اسمًا غير مشتق كـ"محمد رسول الله"، يقولون: هذا لا نعمل فيه مفهوم المخالفة.
وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنْكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ مُشْتَقًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ،
القول الرابع: إذا كان هناك اسم عام ثم جاء بعده لقب من أقسامه وأجزائه فإننا نأخذ منه حكم المسكوت عنه بواسطة مفهوم المخالفة فيفيد اختصاص الحكم بالمذكور، وأما إذا كان اللقب لم يسبقه اسم عام لم يشمله فإنه لا يفيد انتفاء الحكم عما عدا المذكور، ولا يعمل بواسطة مفهوم المخالفة، فقولك: محمد رسول الله. لم يسبقه اسم عام فلا نأخذ منه انتفاء الحكم عما عدا المذكور فلا نعمل مفهوم اللقب؛ لكن في قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورا» [2] . هنا تربه، لقب لأنه اسم لذات جاء بعد اسم عام وهو قوله «وجعلت لي الأرض» والأرض يشمل أشياء كثيرة مثل الرمل والتراب والحصى وغيره، فلما قال: وتربتها. دل ذلك
(1) أبو بكر الدقاق، محمد بن محمد بن جعفر البغدادي، فقيه شافعي أصولي، ولد سنة 306 هـ وتوفي سنة 392 هـ. ينظر: تاريخ الإسلام (27/ 275) طبقات الشافعية (2/ 167) .
(2) أخرجه البخاري (335) ومسلم (521) .