الصفحة 585 من 917

وهو الذي مال إليه المؤلف.

وقد خالفه آخرون وقالوا: لا يعد حجة، واستدلوا على ذلك بأن قالوا بأن النصوص قد أمرت الأمة عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة ولم تأمر بالرد إلى قول الأكثر، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] .

الرَّابِعَةُ: التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ الْمُعَاصِرُ مُعْتَبَرٌ مَعَ الصَّحَابَةِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فَإِنْ نَشَأَ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ فَعَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.

لَنَا: مُجْتَهِدٌ مِنَ الْأُمَّةِ فَلَا يَنْهَضُ السَّمْعِيُّ بِدُونِهِ، وَلِأَنَّهُمْ سَوَّغُوا اجْتِهَادَهُمْ وَفَتْوَاهُمْ، وَقَالَ عُمَرُ لِشُرَيْحٍ: اجْتَهِدْ رَأْيَكَ [1] ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتَهَدَ فِيهَا: قَالُونُ، أَيْ: جَيِّدٌ، بِالرُّومِيَّةِ [2]

هذه المسألة متعلقة بالمجتهد من العصر الثاني هل يعتبر خلافه ووفاقه مع العصر الأول من مشايخه؟

مثال ذلك: في عصر الصحابة نبغ بعض التابعين فأصبح مجتهدًا مع وجود الصحابة. فهل الإجماع يكون بقول مجتهدي الزمان الأول فقط من الصحابة بحيث لا نعتبر وفاق ولا خلاف الذي نبغ في عصرهم وهو من التابعين، أو نقول بأنه يُعتبر وفاقه وخلافه فلا ينعقد إجماع أهل العصر الأول إلا بموافقة من بلغ رتبة الاجتهاد في وقت الإجماع بحيث يعتبر قوله مع الصحابة.

نقول: لو حدثت المسألة قبل بلوغ هذا الرجل إلى رتبة الاجتهاد فإنه حينئذ لا يعتبر وفاقه ولا خلافه بالاتفاق ولا إشكال في ذلك؛ لكن الخلاف في المسائل التي حدثت في عصر أهل القرن الأول وكان هناك من بلغ رتبة الاجتهاد من أهل العصر الثاني فهل يعتبر خلافهم ووفاقهم أو لا؟

وَسُئِلَ أَنَسٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: سَلُوا مَوْلَانَا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ غَابَ وَحَضَرْنَا وَحَفِظَ وَنَسِينَا [3] ، وَلَوْلَا صِحَّتُهُ لَمَا سَوَّغُوهُ فَلْيُعْتَبَرْ فِي الْإِجْمَاعِ.

قَالُوا: شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ فَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ، فَالتَّابِعُونَ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ تَفْسِيرُهُمْ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ مُخَالَفَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ [4] .

اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه يعتبر وفاقه وخلافه، وهذا قول جماهير أهل العلم واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة:

الدليل الأول: أن هذا الرجل مجتهد ومن الأمة ومن المؤمنين

(1) أخرجه البيهقي (10/ 110) وذكره ابن حجر في الفتح (13/ 288) .

(2) هذا الأثر ذكره البخاري في الصحيح تعليقًا بلفظ: (ويذكر عن على وشريح أن جاءت ... الخ) فتح الباري (1/ 425) ووصله الدارمي (1/ 233) ورجاله ثقات.

(3) أخرجه ابن سعد في الطبقات (7/ 176) وابن أبي شيبة (7/ 232) .

(4) لم أجده بقصة المخالفة، وأخرج مالك في الموطأ (1/ 46) وعبد الرزاق (1/ 246) إنكار عائشة على أبي سلمة في قصة سؤاله عما يوجب الغسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت