فهرس الكتاب
الْخَامِسَةُ: الْجُمْهُورُ لَا يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ لِلسُّكُوتِيِّ؛ وَقِيلَ: لِلْقِيَاسِيِّ.
لَنَا: الْإِجْمَاعُ: الِاتِّفَاقُ، وَقَدْ وُجِدَ، وَالسَّمْعِيُّ عَامٌّ؛ فَالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وَلِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ لَمَا صَحَّ احْتِجَاجُ التَّابِعِينَ عَلَى مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ بِهِ، وَلَامْتَنَعَ وُجُودُهُ أَصْلًا لِلتَّلَاحُقِ، وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ، وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ.
هذه المسألة فيما إذا اتفق العلماء في لحظة على حكم شرعي، ثم بعد ذلك خالف بعضهم ورأى رأيًا مخالفًا لما رأى الجماعة، فحينئذ هل نعتبر اتفاقهم الأول إجماعًا شرعيًا واجب الأخذ به؟ أو نقول بأنه يشترط في صحة الإجماع أن ينقرض العصر ولا يرجع أحد من المجمعين، ومن ثم لا يكون هناك إجماع في هذا المسألة.
هذه المسألة مترجمة عند أهل العلم بقولهم: هل انقراض العصر شرط في صحة الإجماع أو لا؟
اختلف أهل العلم في هذا على قولين مشهورين:
القول الأول: قول الجمهور: أنه لا يشترط في صحة الإجماع انقراض العصر بل متى اتفقوا ولو في لحظة واحدة على أحد الأقوال فإنه حينئذ يكون حجة وإجماعًا ولا يجوز لواحد من هؤلاء المجمعين أن يرجع عن هذا القول واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة:
الدليل الأول: أن الاتفاق قد حصل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» فمعناه أن القول الذي اجتمعوا عليه حق وأن ما عداه يعتبر قولًا خاطئًا وباطلًا ومخالفًا للصواب.
قَالُوا: لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ، كَعَلِيٍّ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ؛ وَلَمَا كَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ إِجْمَاعًا لِتَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَعَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ.