فهرس الكتاب
يخالف فعل الصحابة، فإن عليًا - رضي الله عنه - قد أجمع مع عمر ومن في عهده على أن أمهات الأولاد لا يبعن ويعتقن بموت سيدهن ـ وأم الولد هي الأمة المملوكة التي وطئها سيدها فجاءت من سيدها بولد، فهذه لا يجوز بيعها وإذا مات السيد تعتبر حرة ـ وبذلك أجمع الصحابة في عهد عمر - رضي الله عنه -، وعلي - رضي الله عنه - بعد موت عمر خالف رأيه الأول ورأى أنه يجوز بيع أمهات الأولاد [1] فحينئذ يدلنا هذا على أنه لابد من انقراض العصر حتى يكون الإجماع صحيحًا.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأننا نقول: لا يجوز للمجتهد أن يرجع عن ما أجمع عليه المجمعون وهو منهم، وهذا هو مسألتنا، لأن الإجماع الأول يكون حجة عليه، فيقال له: قد وجد الإجماع على خلاف قولك الجديد فلا يصح لك أن تقول بهذا القول، وأما رجوع علي فقد أنكره عبيدة السلماني ومن وافقه فقال: قولك مع الجماعة أحب إلينا من قولك وحدك (1) .
الدليل الثاني: قالوا: لو كان انقراض العصر ليس شرطًا للإجماع لكان هناك إشكالية فيما لو أجمعوا على قول ثم بعد ذلك رأوا خلاف هذا القول جميعًا، قالوا مثلًا سنة ألف وأربعمائة وثلاث وعشرين: يجوز، ثم في عام تسع وعشرين قالوا: لا يجوز، خلاف القول الأول فمثل هذا لا يصح قوله أو وقوعه، لأن الإجماعات لا تتعارض.
وَعَنِ الثَّانِي: بِمَنْعِ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذْ كُلُّ طَائِفَةٍ تُخَطِّئُ الْأُخْرَى، وَتَحْصُرُ الْحَقَّ فِي جِهَتِهَا، وَالله أَعْلَمُ.
قال: لو كان انقراض العصر ليس شرطًا لكان اتفاقهم على القول الثاني بعد اختلافهم سابقًا ليس إجماعًا، لأنه حينئذ يكون هناك تعارض، يعني عندنا في هذه السنة اختلفوا، فخمسون قالوا: يجوز، وخمسون قالوا: لا يجوز، وفي السنة القادمة كلهم قالوا بالجواز.
قالوا: لم يكن انقراض العصر شرطًا لكان هناك تعارض واختلاف، لأنهم في العصر الأول قد اختلفوا فأجمعوا على تسويغ
(1) أخرجه عبد الرزاق (7/ 291) والبيهقي (10/ 343) .