الصفحة 593 من 917

وذلك أن اتفاق الكل بعيد ومن ثم لا يمكن أن نعمل دلالة النصوص بحجية الإجماع إلا بأن نقول: إن الإجماع السكوتي حجة.

القول الثاني: أن الإجماع السكوتي ليس بحجة، وهذا هو قول الإمام الشافعي وهو المشهور من مذهب الشافعية، واستدلوا على ذلك بأن قالوا: إن الساكت يحتمل أن يكون سكوته للرغبة في إتمام ضبط المسألة لأن يتوصل إلى حكم الله فيها بحثًا عن الحق وقد يسكت بسبب الخوف ممن هو أكبر منه، وقد يكون ساكتًا عن إظهار القول المخالف لظنه أن جميع المجتهدين مصيبون كما في أحد قول الأصوليين: (أن كل مجتهد مصيب) ، ويحتمل أن يكون قد أخر إظهار

قُلْنَا: كُلُّ ذَلِكَ إِذَا قُوبِلَ بِظَاهِرِ حَالِهِمْ لَمْ يَنْهَضْ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ قَائِمٍ بِحُجَّةٍ، وَلِأَنَّ غَالِبَ الْإِجْمَاعَاتِ كَذَا، إِذِ الْعِلْمُ بِتَصْرِيحِ الْكُلِّ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَذِّرٌ.

قوله من أجل مصلحة من المصالح، أو يحتمل أنه لم يظهر قوله لأنه ظن أن غيره قد أظهر إنكاره، ويحتمل أن يكون عدم إظهاره لقوله لأنه يخشى من ألا يلتفت إليه الناس. فإذا وجدت هذه الاحتمالات فلا يصح لكم أن تحملوا السكوت من العالم على أنه قد رضي بذلك الحكم ولا يوجد له مخالفة لهم.

وأجيب عن هذا بأن هذه الاحتمالات بعيدة عن حال علماء الشريعة، وذلك لأن علماء الشريعة قد أوجب الله عليهم إظهار ما يرونه صحيحًا، كما أجيب بأن مثل الصحابة يبعد أن يكون سكوتهم خوفًا، أو لظن أن أقوالهم لا يلتفت إليها، وأما القول بأن كل مجتهد مصيب، فهذا قول حادث لم ينشأ في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين ومن ثم لا يصح حمل أقوال الصحابة على قول لم ينشأ إلا بعدهم. وهناك أقوال أخرى.

القول الثالث: أن الإجماع السكوتي يعتبر حجة لكنه ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت