فهرس الكتاب
الدليل الأول: قالوا: أن أهل الإجماع لم يصرحوا بتحريم القول الثالث
عِلَّتِهِمْ وَدَلِيلِهِمْ، وَكَمَا لَوْ نَفَى بَعْضٌ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَأَثْبَتَ بَعْضٌ، فَنَفَى الثَّالِثُ فِي إِحْدَاهُمَا وَأَثْبَتَ فِي الْأُخْرَى.
قُلْنَا: وَسَكَتُوا عَنِ الثَّانِي، وَلَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ، وَالْعِلَّةُ وَالدَّلِيلُ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُمَا وَلَمْ يَتَعَبَّدُوا بِهِ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمَا يَكْفِي،
في المسألة، ومن ثم يكون القول الثالث جائزًا ويجوز اختياره.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن قيل: إن أهل الزمان الأول سكتوا عن القول الثالث ولم يقولوا به فدل ذلك على أنهم يحرمونه لأنه لو كان حقًا عندهم لقالوا به، فلما لم يوجد أحد يقول بذلك القول دل ذلك على أنهم يتفقون على أن هذا القول ليس حقًا.
الدليل الثاني: قالوا: يجوز إحداث استدلال جديد وعلة جديدة فإذا جاز استحداث هذه الأشياء التي لم توجد في الزمان الأول فليجز إحداث قول جديد في المسألة.
وأجيب عن هذا بأن الأقوال تغاير العلل والأدلة، لأن المسألة لا يوجد فيها إلا قول واحد هو الحق وإنما في الأدلة يمكن أن يوجد في المسألة العديد من الأدلة ومن ثم جاز استحداث علة جديدة ودليل جديد، ولم يجز إحداث قول جديد، ثم إن الواحد من هذه الأدلة يكفي؛ على أن الدليل والعلة ليسا جديدين ولا يحدثهما المتأخرون، بل هما موجودان في الزمن الأول، وإنما تأخر معرفة الناس بهما.
الدليل الثالث لهم: قال عنه المؤلف: وكما لو نفي بعضه في مسألتين وأثبت بعض، فنفى الثالث في إحداهما وأثبت في الأخرى: عندنا مثلًا مسألة انتقاض الوضوء بسبب أكل لحم الجزور، قال أحمد: ينتقض الوضوء بذلك.
وَالنَّافِي فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ