الصفحة 624 من 917

كُلًّا مِنَ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ دَعْوَاهُ بِعِبَارَةٍ نَافِيَةٍ، كَقَوْلِ مُدَّعِي حُدُوثَ الْعَالَمِ: لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَقِدَمُهُ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ، فَيَسْقُطُ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا فَتَعُمُّ الْجَهَالَةُ وَيَقَعُ الْخَبْطُ وَيَضِيعُ الْحَقُّ، وَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَنَحْوِهِ.

الدليل الأول: أن الله عز وجل قد طالب النافي بالدليل في قول الله سبحانه: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة:111] فمع أن دعواهم بالنفي: (لن يدخل الجنة إلا من كان ... ) . إلا أن الله عز وجل قد طالبهم بالدليل.

الدليل الثاني: قالوا: إننا إذا لم نطالب النافي بالدليل فإنه سيترتب عليه إن المثبت سيحول دعواه من الإثبات إلي النفي، فبدلًا من أن يقول: محمد موجود. يقول: محمد ليس بغائب. وهكذا.

قال المؤلف: ولأن كلًا من الخصمين ـ سواء النافي أو المثبت ـ يمكنه التعبير عن دعواه بعبارة نافية: يعني مشتملة على النفي، فلو كان الأمر على حسب قولكم: لا يطالب النافي بالدليل. لم يلزم جميع المدعين إحضار الأدلة والبينات.

فمثلا مدعي حدوث العالم، والمراد بحدوث العالم أن المخلوقات قد وجدت بعد أن لم تكن، فعندما يقول الإنسان: العالم محدث. هذا إثبات، حينئذ نطالبه بدليل فيتمكن من التخلص من المطالبة بالدليل بقوله: العالم ليس بقديم. وحينئذ يسقط الدليل عنه على قولكم، وهكذا لا يطالب بالدليل من قال: العالم ليس بمحدث؛ ومن ثم يكون عندنا متخاصمان أحدهما يقول: العالم ليس بقديم. والآخر يقول: العالم ليس بمحدث. ومع تنافي دعواهما لا نطالب أحدًا منهما ببينة؛ ومن ثم تقع لوازم شنيعة من عموم الجهل، ووقوع الخبط، وإضاعة الحق، وعدم القدرة للفصل بين الأقوال المختلفة.

قَالُوا: النَّفْيُ أَصْلِيُّ الْوُجُودِ، فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَلْزَمُهُ دَلِيلٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت